الرئيسية / articles /  الدمل

 الدمل

أتمت, أمس, خمسة عشر عاما من عمرها, اسمها أمل, وهي أشبه بوردة يافعة تحلم بالحب والجمال. تجاوزت بعمرها البكر مأساة الواقع, لتغرق في أحلام المستقبل يزهر لها ورودا مثل خديها الحمراوات.

تحك بأظافر يدها ركبتها , فقد شعرت بنخر فيها فراحت تنهشها حتى شعرت بالخدر يجتاح عروقها ويجري عبر دمها حتى إطراف أصابعها , انتابها شعور باللذة والارتياح . فألقت رأسها فوق المقعد الخشبي وأسدلت جفونها طلبا للنوم . ولكن قلبها ظل يرتجف فحاولت الانشغال بكتاب التاريخ , تحضر لامتحان الغد , وراحت  تذرع المكان جيئة وذهابا تدمدم بغزوات هولاكو , فإذا شعرت بالملل نسخت فوق السطور”حكاية غرامي حكاية طويلة”.

وبقيت علي هذا الحال بين التتار وحكاية غرمي حتى عاد النخر يقلق مضجعها . فتطلعت إلي ركبتها فإذا رقعة حمراء منتفخة , شعرة بالخوف فقارنت ركبتها المريضة بالا خري فإذا هي ضعفها .

انتبهت والدتها, أم جهاد, للأمر فأيقظت جدة أمل من نومها لعلها بخبرتها تستطيع أن تفعل شيئا . وحارت المرأتان , ثم قالت الجدة استدعي (أم علي) في الحال تعطيها إبرة بنسلين .

وكانت أم علي المرأة الوحيدة في المخيم التي تجيد غرز الإبر فقد تعلمت هذه الصنعة بالمراس, إلا أن الفكرة لمن ترق للام التي لا تثق بنظافة الإبر , وحاولت الجدة إقناعها بان أم علي تغلي الإبر ثم تطهرها ( بالسب يرتو ) إلا أن الأم أصرت أن الإبر تسببت في حالات تسمم كثيرة , وسردت ما تيسر لذاكرتها من حالات أصيب أصحابها بالفالج أو تسمم الدم أو التواء في الحنك . ثم مدت يدها إلي خزانة الأكل وتناولت حزمة من عيدان (المرمية ) واخترقتها في مقلاة ثم وضعت المقلاة علي الأرض  والدخان يتصاعد منها وقالت لابنتها :

_ مري من فوق المقلاة ثلاث مرات .

ففعلت . وكانت الأم خلال ذالك تقرأ آيات وتعاويذ تعترضها نوبات تثاؤب متقطعة :

(رقيتك كما رقي محمد ناقته .. باتت كسيرة وصبحت جبيرة .. الله عليك الجبر يا جبار .. يا خالق الليل والنهار .. بجاه سورة الأنعام والقصص اخرج المرض من هذا القفص ..).

ثم طلبت من أمل أن تستنشق دخان المرمية المحترق , فراحت أمل تستنشق وتتثاءب , ومع كل نوبة تثاؤب تنسحب عين الشر .

وعلي الرغم من تطبيق هذه الطقوس إلا أن النخر ظل ينبض كدقات قلب مرتجف ,  عندها أصرت الجدة علي استدعاء أم علي فحضرت تحمل حقيبة يدها الصغيرة وغرزت أمل بإبرة بنسلين ضد جميع الإمراض , فألم موضع الإبرة الصبية أكثر من ألم الركبة , وصارت ضحية لأمين يعتصرانها والدموع تنهمر غزيرة تغرق وجهها , وحيرة تكسو وجه أمها .. ما العمل في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل , وفي هذه البقعة المعزولة عن العالم ؟

وبينما الحال هكذا, عاد جهاد من سهرته في المقهى , مع أبناء جيله من المتشردين الهائمين علي وجوههم , والدائرين في حلقة من البطالة والقيود , ليس لهم متنفس سوي مقهى(القبضايات ) وسيما الشرق القابعة في مدخل المخيم , يشاهدون فيها أفلام الفتوة ( والمرحلة ) ويتقمصون شخصيات الممثلين , فيفتحون صدور قمصانهم علي غرار احمد رمزي ويتبخترون في مشيتهم , يتقارعون ويتشاتمون عبر الأرصفة بأعلى أصواتهم .

وفي مقهى(القبضايات ) يلتقي هؤلاء الفتيان بعمال المساومة الذين تستغلهم المرافق اللبنانية أياما معدودة في السنة عند الحاجة إليهم , و تقاضيهم أجور بخسة لعدم حيازتهم علي ترخيص بالعمل . وهكذا , في هذا المقهى , تتناغم ترنيمات من اليأس والمرارة وشظف العيش والأفواه المفتوحة أبدا , ويصرخ الفتوة بالثائر والعنترية ويشدو قصائد حب كبيرة .. خب دفين .. حب يصارع قهر السنين . يبحث عن مجد ضائع , عن شرف مسلوب , عن عمل بطولي .. عن مصيبة ..

إثناء عودتها من المدرسة , حانت منها التفاتة فرأته بطولة الفارع ,يسير علي الرصيف المقابل , بخطواته الواسعة يحاول اجتياز المسافات , ولكن جاذبية الأرض تشدها إليها بعنف فيدق في الأرض دقا , وبركان حبيس

داخل جسده الصلب يزمجر , وعيونه تلاحقها .. تتعقبها تتطلع إلي المجد , إلي أفاق بعيدة تحلم بإعراس وأفراح , لكنها تصطدم بأسلاك شائكة ومنطقة محظورة وحراس صادروا أنشودته , وقيد أقادمة بأغلال , فامتدت يداه إلي كتاب طفلة بريئة تبحث عن حب يختبئ بين سطور التاريخ المصطنع .. “سأشرب دمك يا خائنة .. تخونين الشرف .. النار ولا العار ” .

فحمت أم جهاد المشهد صارخة مولولة فحالت بينهما .. واختبأت أمل خلف ظهر أمها تبحث عن جريمة اقترفتها , وصارت تحسبها بحسابات قومها فإذا هي عديدة .. فجن جنونها وأدركت أنها علي شفا هاوية علي وشك إن تبتلعها , قالت أم جهاد :

_ يا ويلك من الله .. ماذا فعلت لتحمل لها هذا السكين .. يا شقي خاف الله .

_ سأقتلها واغسل عاري .

_ اخفض صوتك , يا ويل من الله , تفضحنا بين الناس , ماذا يقول الجيران إن سمعوك , إن رأوك تحمل هذا السكين , سيمضغون سيرتنا كما ألبان المستهلك ؟ يا ولد حرام عليك , هداك الله , أخذك الله .

_ بنتك المسكينة استلمت رسالة غرام من ؟ اسأليها ..

وتطلع إلي أمل بعين يتطاير منها الشرر ” لا تكذبي .. اعترفي أحسن إلك .. أنا اعرف كل ما يدور من خلف ظهري ” .

_ رسالة غرام  .. يا وبلتي .. ( شهقت أم جهاد ) .. ماذا يا ولد ؟؟؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. ولا حول ولا قوة إلا بالله .

ثم تطلعت لبنتها بعينين لائمتين ولسان حالها يقول ” سنتفاهم فيما بيننا ” فهوي قلبها بين ضلوعها وشعرت وكأنها تغرق في بئر من الخوف المتناهي , ثم تطلعت صوب ولدها بحنو لتهدئه وقالت :

_ لا تصدق يا ولدي .. أولاد الحرام يبحثون عن الفتن والقلاقل لينغصوا عيشنا ويشمتوا ويفرحوا .. أختك ما زالت صغيرة لا تقل إمامها مثل هذا الكلام تفتح عينيها علي الفساد .

طأطأت أمل برأسها وشعرت بالخزي من نفسها “هذه المرأة تغطيني بحمايتها وأنا بدوري اخدعها ” همت إن تعترف”نعم خدعت يا آماه .. لقد استلمت فعلا رسالة غرام .. في ذالك الصباح الندي بينما كنت اعلق الملابس علي حبل الغسيل قفزت إلي وجهي كتلة صغيرة ثم سقطت إلي الأرض لتستقر بين أقدامي .. التقطت الكتلة الورقية وقرأت فيها كلمات اهتزت لها أوصالي . تطلعت إلي مصدر الإرسال فأبصرت من فوق حبل الغسيل وجها مبتسما فتذكرت في الحال وصاياك يا أمي فعاد لي اتزاني وأمسكت بالورقة بكتلي يدي ومزقتها نتفا  نتفا ثم قذفت بحطامها في الهواء علي مرآي منه فتناثرت أشلائها في كل اتجاه .

_ ما بكن مستيقظات في الوقت المتأخر ( وجال بنظرة بين النساء الثلاث ) لماذا تبكي ؟ ما هذا ؟ ركبتك متورمة .. هيا انهضي سأخذك إلي المستشفي .. سأذهب في الحال لإحضار سيارة أجرة .

_سأذهب معكما , ( قالت أم جهاد ) لن احتمل الانتظار .. أريد أن اطمئن بنفسي .

_ لا داعي يا أماه .. أنت ارتاحي , سآخذها إلي مستشفي الصنائع ولن أتأخر عليكن بالخبر عسي خيرا إنشاء الله .

_بل أريد أن اذهب معكما .

قالت بصوت مشوب بالرعشة مما أشاع شعورا بالخوف والخشية . لم تكن أمل تعي للحظة مبعث الخوف فقد كانت مشغولة بآلامها , وكان من الطبيعي أن تقلق أم علي ابنتها خاصة تلك العائلة التي تخاف المرض والمستشفيات وغرز الإبر وتكتفي بالاتكال علي الله وقراءة التعاويذ .. إلا أن شعورا خفيا بعدم الارتياح انتاب الفتاة من فكرة المستشفي فتطلعت إلي وجه أمها فوجدته شاحبا تعلوه عينان يمتزج فيهما الخوف مع الحيرة ..

وفجأة قفزت إلي ذاكرتها المرتعدة السكين .. سكين المطبخ بنصلها الطويل المتقد

تلمع في يده ” سأقتلك يا خائنة .. النار ولا العار ”

_ لم يمض وقت طويل حتى دنا هدير سيارة توقفت أمام البيت , فجلس جهاد بجانب السائق وجلست أمل وأمها في المقعد الخلفي . وكانت أم جهاد طوال الطريق , هامسة شاردة في أفكارها كمن يتهياء لقدر محتوم علي وشك الحدوث . ساورت الفتاة شكوك مبهمة بسطتها أمام عينيها , واستعرضت حكايات كثيرة فتوقف ذهنها عندها !!! جارتها ام صبري وهي تشرب القهوة عند أمها وتحدثها هامسة , ثم تنفض صدر قفطانها وتستغفر ربها :

_ يا أم جهاد الله يستر علي بناتنا وبناتك , ولكن الناس يقولون بأنه كان في المقهى يلعب الورق مع الأشقياء ممن هم علي شاكلته فاحتدم الصراع بين اللاعبين وعايره احدهم : علي مين يا قبضاي !!! إن كنت زلمة لملم أختك !!

فطار صوابه , وعصفت به الرياح , ثم ألقته في قعر الدنيا .. فترك المقهى هائما علي وجهه , متجها إلي البيت . وهناك لبس وجها هادئا , ودعا أخته إلي نزهة علي شاطئ البحر , القي بها فوق الرمال , ثم جز عنقها , وتركها قتيلة تتخبط في دمها , وعاد رافعا رأسه وكأنة انتهي من معركة رابحة , وسلم نفسه إلي الشرطة . يا جارة الله اعلم قد تكون البنت بريئة وقد تكون مذنبة , ولكن البنت عبء ثقيل يكسر الظهر , وصدق المثل ” هم البنات للممات ” .. واستغفرت المرأتان ربهما وتعوذتا من الشياطين والأبالسة .

أفاقت أمل من ذالك الكابوس في ساحة المستشفي , وتنفس الجميع بارتياح , وكأن حملا ثقيلا قد انزاح , وبعد الانتهاء من الإجراءات الروتينية , صعد الجميع إلي الجناح الخاص بالنساء , وحضر احد الممرضين فكشف عن ساق المريضة فإذا الاحمرار قد امتد في كل الاتجاهات , وقال الممرض لام جهاد :

سأمزع مكان الورم بالمرهم الأسود حتى يلين وإلا من الأفضل أن تجري لها جراحة بسيطة في الصباح .. اتكلا أنتما علي الله واذهبا فليس هناك ما يدعو للقلق .

اطمأنت أم جهاد حيث كان في الغرفة صبية في عمر أمل , وامرأة عجوز أوصتها برعاية ابنتها .

وعلي الرغم من تضميد الركبة ومرغها بالمرهم إلا أن اللام ظل في تزايد .. والقيح الحبيس يغلي تحت الجلد وينبض كدقات قلب ملهوف , وصراخ مكتوم يزهق تلك الروح الحبيسة بين جدران الألم والخوف , والممرض يتحسس الساق “أين الوجع؟؟ أهنا الوجع ؟ ” ويمر بإصبعه فوق فخد الصبية التي ارتعدت وأمسكت يده ودفعتها بعيدا , ولعنت في سرها سوء تربيته .

وبعد أنهكها الألم والخوف والبكاء غفت .. فهامت روحها الطاهرة في عوالم متناقضة من الفرح والحزن ورأت أناسا يتصارعون , بشر يلهون وآخرون يتعذبون , ولم تفق إلا علي صوت الممرضة وهي تمسح جبينها وتهزها برفق قائلة ” اهدئي .. اهدئي .. لا بد انك تحلمين .. ” فتحت عينيها , فإذا أشعت الشمس تغمر كافة أرجاء الغرفة . ثم شعرت ببرودة تسري فوق ساقها , فتطلعت فإذا الدم والقيح يسيل من تحت الضمادة . فكت الممرضة الضمادة فإذا الدمل قد انفجر .

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*