الرئيسية / articles / من دفتر مترجمة

من دفتر مترجمة

صعدت لينا السلم بخطوات مترددة الى مكتب الخدمات الطبية في لندن. دخلت القاعة المزدحمة بالوجوه من كل جنس ولون. هذا يكلم ذاك، وذاك يكلم تلك. الجميع يتكلم بصوت عال يخلو من أية لباقة. شعرت لينا بعدم الارتياح للوهلة الاولى ولكنها تماسكت وألقت تحية الصباح بصوت منخفض، ربما لم يلتفت أحد الى دخولها لشدة الضجيج. كان ذلك أول يوم عمل لها كمترجمة. هي لم تختر هذه المهنة الجديدة، ولكن هذا ما تيسر لها بعد أن استقالت من وظيفتها السابقة اثر صراع مع زميلها في المكتب الصحفي والذي رفض أن يشاركه أحد عمله الصحفي الذي يعتبره من ممتلكاته الخاصة ويمنع أي من الاقتراب من حدوده خوفا منه على رزقه ومستقبله. هذا الخوف الذي يلبسه ويدفعه الى محاربة كل من يرى فيه كفاءة تشعره بالمنافسة رغم عدم وجود منافسة حقيقية. وهكذا شاءت الظروف ان يذهب في اجازة سنوية لمدة شهر وفي قرارة نفسه الخائفة أن غيابه سيحدث خللا وارتباكا مما سيفسح المجال لمراهنة بينه وبين رئيسه قد تزيد راتبه أو على الاقل تضاعف من مدى أهمية وجوده في العمل.

خلف العارضة في المكتب الصحي يجلس المسؤول عن توزيع المهام للمترجمين والسائقين مقطب الجبين، قالوا لها انه دائما عابس الوجه حتى اذا ضحك لا يفارق العبوس وجهه. الارهاق واضح على وجهه النحيل الذي يتصبب عرقا مما يجعله يبدو أكبر من عمره بكثير. يلوح بالأوراق بكلتا يديه وكأنه في سوق ويتكلم بلهجة خشنة تخلو من الذوق والأدب. مسح جبينه بكفه ثم نفض كفه في الهواء فتناثر الرذاذ منها.

عبدالله، أحد المترجمين الجدد، شاب مهذب دخل القاعة، وقبل أن يتفوه بتحية الصباح عاجله ذلك المسؤول بسخريته المعروفة: بكير يا حضرة المدير.

أجاب عبدالله: آسف .. آسف جدا.

المسؤول: آسف جدا !! (وباستهزاء) أين أصرف هذه الآسف .. ها .. قل لي أين ؟ هيا تحرك بسرعة الى الموعد.

نقلت لينا نظرها بين الاثنين وتمنت أن لا يحدث معها مثل هذا الموقف.

نظر المسؤول في وجه الفتاة فانكمش اذ شعر وكأنها تراقبه أو تحاسبه بصمت، ولكن من يجرؤ على محاسبة مسؤول صغير في تلك المؤسسات العريقة بالديمقراطية واحترام الانسان ضاربا بمورد رزقه عرض الحائط..!!

تقلصت تعابير الغضب عن وجهه، ناولها قوائم المواعيد الموكل اليها تنفيذها، كل قائمة تحمل اسم المريض وعنوانه وعنوان عيادته وتوقيت الموعد. أمر أحد السائقين بمرافقتها الى الموعد الاول. حملت الأوراق وذهبت برفقة السائق الى السيارة.  توقفت السيارة أمام بيت المريض الأول، نزلت لينا من السيارة وقرعت جرس الباب، تكلمت عبر الهاتف الداخلي “أنا المترجمة موعد مع الطبيب للسيدة مريم .. تفضلي”.

أجابت السيدة عبر الهاتف الداخلي : أنا تعبانة اليوم عندي برد اعملوا لي موعد آخر.

اتجه السائق الى منزل المريض الثاني الذي أطل من الباب متثاقلا يفرك عينيه بيده ويلحقه ولده ممسكا بجلبابه. جلس في المقعد الخلفي ثم راح يلتفت يمينا ويسارا، أشار بيده نحو الشارع ثم قال معلقا أو رغبة منه في الحديث: السيارات هنا قديمة جدا .. هذه الموديلات اختفت عندنا في الخليج منذ زمن. السيارات عندنا أحدث موديلات في العالم. هز السائق رأسه مجاملا. تطلعت لينا بنظرة حيادية، فالأمر لا يعنيها بشيء.

وصل الركب الى العيادة، نزل المريض وابنه وتبعا المترجمة الى قاعة الانتظار، تحول المريض من الحديث عن السيارات الى محاورة لينا :

المريض : هل أنت مترجمة جديدة .. لم أرك من قبل؟

المترجمة: نعم

المريض: مصرية

المترجمة: لا

المريض : مغربية

المترجمة : لا

المريض: اذن أنت لبنانية أو سورية

المترجمة: يا عزيزي انا نصفي لبنانية والنصف الآخر انجليزي، يعني امي انجليزية وأبي لبناني.

المريض: اذن انت لبنانية فالانسان يتبع أباه.

المترجمة: هذا عندكم في البلاد العربية أما هنا فالانسان ابن ابويه مناصفة وعموما لا تبعية في العلاقة، الانسان حر يتبع من يشاء.

المريض: يا ساتر انت امرأة متحررة .. هل أنت من أنصار تحرير المرأة.

المترجمة: لا دخل لتحرير المرأة بذلك ..فالانسان حر سواء كان امرأة أو رجل.

المريض : هل أنت متزوجة؟ كم ولد عندك؟ أين يعمل زوجك؟ غير متزوجة !! مش معقول .. لماذا لم تتزوجي أنت فتاة جميلة والله حرام!!

المترجمة: يا أخي لم أصادف الشخص المناسب، وعموما الزواج قسمة ونصيب.

المريض: كل المترجمات غير متزوجات .. عجيب !!

أطلت موظفة الاستقبال من باب الصالة ونادت باسم المريض قائلة: سيدي لقد حان دورك لمقابلة الطبيب تفضل. تمتمت المترجمة الحمد لله.

تقدمت المترجمة ومشى المريض خلفها يجر ولده من يده الى داخل غرفة المعاينة. الطبيب جالس خلف مكتبه. تقدم منه المريض ومد يده مصافحا: السلام عليكم .. حياك الله يا دكتور.

الطبيب: أخلا وسخلا .. تفضل بالجلوس.

بدأ المريض يشكو آلامه والطبيب يستمع ويدون ملاحظاته في الاوراق أمامه.

الطبيب: تحتاج الى اجراء بعض الفحوصات والأشعة. بامكانك ان تذهب الآن الى المعمل في نفس هذا الشارع ليأخذوا منك عينة من الدم للتحليل وربما يمكنك اجراء بعض التصوير الاشعاعي، ثم أراك بعد أسبوع حيث يمكنني في ذلك الوقت أن أصف لك العلاج المناسب على ضوء نتائج الفحوصات.

المريض: ولكني أجريت الكثير من الفحوصات والتحاليل في بلدي وهذه التقارير والصور الاشعاعية أمامك.

الطبيب: من الضروري اجراء بعض الفحوصات الخاصة هنا أيضا.

وفي المعمل تقدمت الممرضة الشقراء من المريض، ابتسمت له وداعبته قليلا، انتعش ودبت فيه الحيوية وقال: الممرضات هنا طيبات، المعاملة الطيبة مثل الدواء تشفي العليل. الممرضات عندنا يا ساتر ..!!

أحاطت الممرضة الشقراء ذراعه بحزام من الجلد ، وبعد أن مسحت جلده بقطعة قطن معقمة غرزت الابرة في العرق. أغمض المريض عينيه وأطلق آها ثم صرخ: كفى .. كفى مستنجدا بالمترجمة. ثم علق كعادة معظم المرضى العرب: سحبت دمي كله .. هؤلاء الانجليز يسحبون دمنا ويبيعونه. سحبت الممرضة الابرة وربتت على كتفه وابتسمت في وجهه قائلة “جود بوي” بادلها الابتسامة بأعرض منها وعلق : كم هي جميلة ورشيقة وهل هذه غير متزوجة أيضا، أجابت المترجمة : والله يا أخي لا ادري والانجليز لا يحبون الاسئلة الخاصة.

قال المريض: اسأليها هل تتزوجني.

المترجمة: ولكنك متزوج وهذا ابنك .

المريض: لا يمنع امرأة هنا وامرأة هناك.

أجابت المترجمة اسمح لي يا أخي لدي مواعيد اخرى. اتركك للسائق يوصلك الى منزلك في حفظ الله والى اللقاء.

اتجهت لينا الى الموعد الثاني لملاقاة المريض الذي بادرها بالسؤال : هل أنت مترجمة جديدة؟

نعم واسمي لينا وأمي انجليزية وأبي لبناني وزوجي سوري يعمل سائقا وعندنا ثلاثة أولاد………

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*