الرئيسية / articles / كريستين تعاقب جسدها

كريستين تعاقب جسدها

هي معلم من معالم كوينزوي، أحد شوارع لندن، حيث يتواجد العرب الآتون اما للاصطياف أو للعلاج. على جانبي الشارع، تنتشر محلات بيع الكتب العربية، من فضائحية الى جدية، الى سياسية أغلبها بأقلام معارضين لحكوماتهم وجدوا في هذا البلد حرية التعبير عن توجهاتهم الى جانب جميع المجلات والصحف الصادرة باللغة العربية.

كل من يتردد على هذه المنطقة لا بد وأن يراها أكثر من مرة. انها كريستين، عجوز تجر جسدها النحيل نحو المجهول. تبدو رقبتها النحيلة غير قادرة على حمل رأسها المتدلي فوق صدرها. عبثا تحاول رفع رأسها لتبصر طريقها. تتكئ على عربة محملة بكل ما لديها من ممتلكات في هذه الدنيا. بطانية قديمة ومخدة مهلهلة امّحى لونها الاصلي لكثرة ما تراكم عليها من غبار وأوساخ، وخرق بالية، كل هذا الجهاز مربوط بحبل ومقيد الى العربة.

في الصباح أثناء ذهابي الى العمل أراها تجر جسدها المرتجف نحو برميل القمامة في الشارع العام. تسند عربتها جانبا وتلقي برأسها فوق البرميل تقلب بكلتا يديها بحثا عن بقايا أطعمة تقتات بها. ها هي تلتقط قطعة خبز وبقايا تفاحة. تأكل بيد وباليد الأخرى تنقب عن لقمة أخرى.

في المساء تجلس في زاوية مطعم “خان” الهندي تراقب الناس بعيون جائعة أبدا، بصرها يتوقف عند أحد الجالسين وهو يرفع قطعة دجاج الى فمه، يمضغها ويلقي بالعظم على الطبق. عيونها تتعقب حركة فمه ورقبته وهو يتلذذ بوجبة شهية، وهي تتلمظ وتبلع ريقها. لا أحد ينظر اليها أو يعيرها انتباها، فقد تعودوا على وجودها في الشارع مثلها مثل علب القمامة.

ولكن شيئا غريبا حدث ذات يوم أثار فضولي نحوها، كانت تتخذ من احدى زوايا الطريق جانبا وتجلس القرفصاء، ثوبها الممزق يكشف عن عورتها العارية، رأيتها تصفح الجسد المكشوف بكفها وبغضب شديد. كانت أثداؤها تتدلى من فتحة قفطانها كقطعة قماش بالية.

لماذا تصفع نفسها !! سؤال ظل يشغل بالي كلما تذكرت المشهد. حاولت ان أجد تفسيرا مقنعا، قلت لربما كانت هذه المرأة باغية في شبابها، تعتاش من جسدها، فلما كبرت وشاخت أصبح الجسد عديم القيمة فنقمت عليه. ومع ما لهذا التفسير من واقعية الا أنني كلما رأيتها اقتربت منها أرغب في الاستماع اليها. أرغب بسؤالها لماذا تعاقب نفسها؟ ولكنني كلما اقتربت تراجعت خوفا من أن تصرخ في وجهي أو تتعقبني وتضربني فأصير حكاية أخرى.

قصصت ما رأيت الى صديقة لي فأخبرتني بأن اسمها كريستين وأنها ودودة ولا تؤذي غير نفسها. فتشجعت وعقدت العزم على التقرب منها، لكن عينها المعذبة ردعتني مثل سهم أصاب قلبي ووجداني، انتابني ذلك الشعور الذي يدق الضمير الانساني عندما يرى أخيه الانسان وقد تحول الى قطعة من العدم لا يلفت الانتباه الا كتمثال لا روح فيه.

أكتوبر 1991

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*