الرئيسية / articles / كأس ويسكي

كأس ويسكي

وصلت الحقيبة الدبلوماسية في ميعادها، على تمام الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الخميس. رفعها الخفير بخفة فوق ظهره وخطا نحو السلم باعتزاز ملحوظ.

كانت يداه مشدودتين من فوق كتفيه الى عنق الحقيبة التي كانت تتدلى فوق ظهره المتقوس فتزيده انحناء. يحاول جاهدا أن يرفع رأسه المحشور بين اليدين المشدودتين ليبصر درجات السلم أمامه.

كل ما في هذا المخلوق يدل على البؤس ، وجه شاحب، جسد نحيل، عينان متعبتان يرتسم في جوفهما معاناة دهور.. اللهم الا في تلك اللحظات التي يستلم فيها الحقيبة الدبلوماسية فترى تلك العينين وقد لمعتا ببريق من الزهو. ويزداد شعوره بالزهو عندما يبدأ الموظفون يطلون برؤوسهم تباعا من أبواب مكاتبهم ويقول الواحد منهم للآخر بصوت منخفض والابتسامات تعلو الوجوه  “الحقيبة وصلت” .. الحقيبة وصلت” فيبتسم الخفير ويغمز بعينيه فرحا بامتلاكه ولو للحظات قليلة هذا الكيس المليء بالأسرار والعجائب!

ويرفع باقي الموظفين رؤوسهم عن الاوراق المتراكمة أمامهم معبرين عن أمانيهم بوصول العلاوة التي وعدهم بها ملحق الشؤون الادارية يوم لقائه بهم في مكتبه الأنيق الذي ينسجم مع أناقته الشخصية.

فسعادته معروف بحبه للتأنق من رأسه حتى قدمه، كيف لا وفي متناول يديه أحدث ما توصلت اليه بيوت الأزياء، وهو معروف بحبه لمحلات ايف سان لوران. فربطة العنق مدموغة بهذا الاسم والقميص الحريري تحسده النساء على رهافته، والحذاء لامع والشعر أسود مصفف بعناية والابتسامة هادئة تنم عن مكر دفين.

قال الملحق الأنيق (يوم لقائه بهم): يا جماعة ان مشاغل السفير كثيرة ووقته ضيق، صدقوني ان معاليه لا يجد وقتا للراحة.. كان الله في عونه !! مسؤوليات لا تنتهي .. اجتماعات .. بروتوكولات .. ليس لديه الوقت لمشاكل الموظفين، فان كانت لديكم مشكلة – لا سمح الله – فانني هنا للاستماع اليكم وسأبذل ما بوسعي لمساعدتكم.

قالت علياء، وهي الأكثر جرأة بين العاملين: يا استاذ فلاح ان معظم السفارات قد قامت برفع أجور العاملين فيها مقابل غلاء المعيشة الا نحن فلقد مضت سنوات ورواتبنا كماهي في حين أن الغلاء، كما لا يخفى عليكم، في تزايد مستمر. ولذلك فكرنا في تقديم عريضة .. أقصد التماسا الى معالي السفير آملين أن يتكرم معاليه بالنظر في أمر تعديل رواتبنا.

قال الملحق المترف : يا اخوان انتم لا تعرفون معاليه انه انسان طيب القلب وحساس الى أبعد الحدود ولكن أشد ما يزعجه العرائض ويغضبه التجمهر مهما كان شكله. فالتجمهر انما ينم عن احتجاج والاحتجاج ضرب من ضروب التهديد وهذا – صدقوني – لن يفيدكم في شيء !! بل على العكس انه ليس في صالحكم على الاطلاق!! السفير سيزعل كثيرا لو علم بذلك. واذا غضب السفير فقد يتخذ موقفا لن يكون في صالحكم.

لذلك وعلى الرغم من مشاغلي الكثيرة راجعت جدولي وخصصت لكم هذا الوقت .. نتفاهم فيما بيننا كأخوة ونحل المشكلة دون ان نزعج معالي السفير بمثل هذه المشاكل الصغيرة.

واسمحوا لي ان اذكركم في نقطة هامة وهي ان احدا منكم غير ملزم على الاطلاق في العمل هنا، لكل منكم حرية الاختيار ان يذهب او يبقى !! لا تفهموني غلط يا اخوان!! من يجد عملا أفضل ففي رعاية الله نحن نتمنى التوفيق لكم جميعا ولا نجبركم على شيء.. وتأكدوا تماما ان العمل لن يتوقف حتى لو اخترتم ان تذهبوا جميعا بل سيستمر كما هو .. أنا لا أقصد أننا لا نريدكم .. بالعكس نحن هنا اسرة واحدة .. كلنا اخوة في الدين والعقيدة والهدف ايضا ولكن القصد ان تكونوا واقعيين !! فهناك المئات من الشباب المتعلمين والمؤهلين مثلكم والذين يتمنون ان يعملوا هنا بنصف رواتبكم .. نعم هذا صحيح .. ان مجرد اعلان صغير في جريدة سيأتي بعشرات الطلبات.. انتم يا اخوان محظوظون انكم وجدتم اعمالا في سفارة محترمة كهذه.. يجب أن تكونوا شاكرين.

قالت علياء: عفوا استاذ فلاح لا تفهمنا غلط.. نحن لم نقصد احتجاجا ولا تهديدا – معاذ الله – فالعين لا تعلو على الحاجب, ولكننا نلتمس اعادة النظر في رواتبنا أسوة بالعاملين في السفارات الأخرى..اننا نعاني .. ونعاني الكثير من شدة الغلاء!!

قال الملحق: عن أي سفارة تتكلمون؟ ان معظم السفارات هنا تتبادل كشوفات الرواتب ونحن قد حصلنا على هذه الكشوفات ونعرف مرتبات العاملين بها. قد تكون هناك بعض الفروقات ولكنها بسيطة لا تذكر.

صمت الملحق ثم تابع كلامه ..

أما عن الغلاء في هذا البلد فاسمحوا لي ان اذكركم بأنكم لستم وحدكم الذين تعانون من ذلك, نحن أيضا نواجه صعوبات ولدينا التزامات مثلكم بل أكثر.. سيارتي مثلا – والله العظيم – يا اخوان تكلفني حوالي أربعة آلاف جنيه في السنة مصاريف بنزين وصيانة وغيرها.

قالت علياء (محاولة السيطرة على انفعالاتها): ولكن اسمح لي ولا تعتبر كلامي تطاولا, ان هذه الآلاف الأربعة التي ذكرت تساوي مرتب موظف – مثلنا – في ستة أشهر وربما أكثر. هذا طلال مثلا عنده ثلاثة أولاد وزوجته بالكاد يبلغ راتبه أربعة آلاف, والله مسكين كيف يتدبر أمره. أنا وزوجي كلانا نشتغل وليس لدينا أطفال ومع هذا غير قادرين على مواجهة ضروريات الحياة فقط. ان حياتنا اصبحت سباقا مع القدر.. نركض ونركض وخبزنا كفافنا.

قال الملحق: نعم .. نعم .. هذا صحيح انني متعاطف معكم ولكن .. لا تخلطوا الأمور _ يا اخوان – بدأتم تخلطون الامور!! ان الوضع مختلف .. مختلف تماما.. نحن نختلف عنكم كثيرا ..!! لا نستطيع ان نعيش مثلكم.. انتم متعودون ان تعيشوا … ماذا أقول لكم …!! ان حياتنا تختلف .. تختلف كثيرا عن حياتكم!!.

قالت علياء: يا استاذ فلاح نحن لا نتكلم عن الكماليات .. نتكلم عن ضروريات الحياة .. عن الاحتياجات اليومية .. يعني ما لا نستطيع العيش بدونه.. مثلا البندورة .. أنت تأكل بندورة ونحن نأكل بندورة, كيلو البندورة بثمانين قرشا, كلانا ملزم بدفع ثمانين قرشا لكيلو البندورة وهو ما ينطبق على كافة السلع الضرورية كالبصل والثوم وهي مستلزمات أساسية. اذن المسألة حسابية والبائع لا يفرق بين زبون وآخر.

قال الملحق: يا اخوان افهموني .. قلت لكم نحن مختلفون .. وان الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز “..وخلقناكم من طبقات .. وفضلنا بعضكم على بعض….”. ومع هذا فاننا في هذا البلد لا نعيش كما نعيش في بلادنا .. انتم لا تعرفون الا القليل!! أنا في بلدي أعيش في قصر ذي أجنحة متعددة .. جناح للرجال وآخر للنساء واجنحة للضيوف والاطفال والخدم .. ومع هذا فانني أعيش هنا في شقة صغيرة مكونة من أربعة غرف وصالونين وثلاثة حمامات .. شقة متواضعة جدا ولا احتج على ذلك لأنني أؤمن بأنني هنا لأؤدي رسالة لبلدي .. أتحمل كل شيء في سبيل خدمة بلدي التي هي بلدكم انتم أيضا .. أنسيتم القصيدة العظيمة “بلاد العرب أوطاني من الشام لنجران ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان”.

دعونا الآن ننهي هذا الاجتماع, وسوف اوصي بكم لدى السفير, وان شاء الله سنكتب الى جهات الاختصاص ونطلب لكم علاوة غلاء المعيشة, ونأمل أن تسمح الميزانية بذلك.

وهكذا انفض الاجتماع وعاد الموظفون الى مكاتبهم وشعور مشترك بالخيبة والاحباط يكتنفهم. ومضت أسابيع تلو الاسابيع وصلت خلالها حقائب وذهبت حقائب وكلما وصلت حقيبة أطل الموظفون برؤوسهم من ابواب مكاتبهم, يستفسرون بعيونهم وتحريك حواجبهم. وغمز الخفير بعينه فرحا بخيبته الابدية. وأشعلت علياء سيجارتها ورشفت قهوتها ثم قامت الى مكتب الشؤون الادارية لاحضار ما يخص القسم من مراسلات وطرود ووضعتها على مكتب رئيسها. واليوم مثل كل أسبوع .. صحف ومجلات محلية .. طرود صغيرة .. مغلفات بيضاء مذيلة بكلمات ختمت باللون الأحمر “سري” .. و.. “سري جدا” .. و.. “سري للغاية”.

والأسرار أكثر جاذبية للأنظار , وهكذا يبدأ الملحق بفتح هذه الأغلفة المختومة باللون الأحمر ثم يقرأها بصمت معقبا بضحكة عالية أو تعليق ساخر أو شتيمة يفرغ بها قهره ازاء ضغط الطلبات التي يقع على كاهله تجهيزها وارسالها في الحقيبة الذاهبة في الاسبوع التالي.. عطر تشارلي .. أحذية .. شباشب .. ودزينة كؤوس ويسكي في قعر الكأس رسم امرأة عارية.

مجلة الاغتراب الادبي – لندن1991

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*