الرئيسية / articles / شجرة البلوط

شجرة البلوط

كان في داخلها شعور دائم أن يوما ما سيأتي لتلتقي بها.. هنا .. هناك .. في أي مكان من هذا العالم.. لا تدري؟ لكن خيالها الحالم كان دائما يأخذها الى هناك .. الى ذلك البيت العتيد المجاور لجامع بلدتها الصفصاف, حيث ولدت ..   ولعبت .. ورقصت في افراح العائلة رقصا من نوع آخر لا اهتزاز ارداف ولا تلوي أعضاء، لكنه رقص هادئ له طابع خاص ولطالما دبكت مع أبناء عمومتها وبناتها, دائما في أول الصف أو كما يقولون على الرأس لأنها طويلة ورشيقة يستضيء فستانها المخمل الأزرق ببياضها وجمالها. تزوجت هناك .. وأنجبت وأمضت أحلى سنوات العمر .. في ساعات الفجر الاولى كانت تستيقظ من أحلامها الصغيرة ببطء شديد على صوت الآذان يرفعه جدها – امام المسجد – مناديا لصلاة الفجر فيلبي رجال البلدة النداء ويتدافعون بهمة ونشاط الى داخل المسجد يسبحون ويكبرون.

لا بد وأن تلتقيان وتضحكان من أعماقهما كما ضحكتا في طفولتهما عندما كان الوالد يصرخ فيهما كعادته :”بس يا بنات تأدبن واخفضن اصواتكن”.

كم هي مشتاقة الى كل شيء في ذلك البيت, المصباح المعلق في وسط الجدار المقابل للباب, كان أشد ما تكره غسل زجاجته الرقيقة. كل يوم كان عليها ان تغسل الزجاجة وتلمعها مما علق بها من سواد أثناء الليل. تقوم بتلك المهمة البغيضة بضيق وتأفف, وكم من مرة انزلقت تلك الزجاجة الرقيقة من بين يديها وتهشمت. أما الآن فكم تتمنى أن تلمس ذلك المصباح وتغسل زجاجته الرشيقة الناعمة كل صباح. كم تعشق تلك الزجاجة الآن وتتمنى أن تلمسها.. تقبلها.. تضمها الى صدرها وتحضنها.

عصرت عينيها بحسرة فاندفعت دموع الشوق والحنين تتدحرج فوق خديها الحمراوين كقطرات ندية تتلألأ فوق سطح أملس. لماذا طال الفراق هكذا !!

رافقت زوجها الى مقر عمله في الخليج, وهناك أنجبت خمسة أولاد صاروا رجالا.

أثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان فتحت الحدود بين البلدين وتوالت الزيارات بين الطرفين. كانت وقتها في الدوحة, وعندما اخبروها بقدوم أختها الى لبنان لم تكن الظروف الأمنية ولا العائلية تسمح لها بالسفر لمقابلتها هناك فضاعت الفرصة. أخذتها مشاغل البيت والاولاد والدنيا بأفراحها وأتراحها, لكن الحلم ظل يعيش فيها. ففي موسم التين كانت كلما أكلت حبة من التين تراءى لها طيف ندى – شقيقتها الكبرى – في بستان تلك الدار تقطف حبات التين التي يقطر العسل من فمها المزموم كفم صبية مستحية.

خيالها الحالم يصور لها توقعات غير عادية, أشبه بحكايات جدتها عن طاقية الاخفاء وكيف يبحث الاولاد عن صديقهم الذي كان للحظة يركض معهم فلا يجدوه لأنه لبس طاقية الاخفاء.

عندما عبر زوجها عن رغبته بالحج الى بيت الله الحرام طارت فرحا, أخيرا ستكحل عينيها بسماء مكة المكرمة, تلك المدينة المقدسة التي سمعت عنها الكثير من الحكايات الشيقة.

كان الحجاج يطوفون بيت الله الحرام بأثوابهم البيضاء النظيفة وكأنهم ملائكة حطت من السماء. مشهد لا يشبهه أي مشهد, هو من عالم خاص.

هل يا ترى من الممكن أن تكون ندى بين هذه الحشود. ولم لا !! العالم كرة ونحن نسرح ونمرح فوق سطحها.. نتفرق في شعابها ثم نلتقي من جديد,  ارواحنا تجذبنا باتجاهات ينصاع لها جسدنا.

ولكن ثلاثون عاما مضت الآن. كل شيء تغير، أشكالنا تغيرت، وحتى لو كانت هنا كيف سنتعرف على بعضنا في هذا المحيط الهائل من البشر. لقد جعلت الأيام منا أشخاصا آخرين.

هذه ليست مشكلة بالتأكيد سنتعرف على بعضنا من خلال التشابه.

جلست على حافة قريبة تستريح وبجانبها جلس زوجها يتصبب عرقا ويلهث من شدة الحرارة. “اريد شربة ماء” قال لزوجته. كان يتململ للنهوض لاحضاء الماء عندما مرت مجموعة نساء برفقتهن رجل يحمل قربة ماء على كتفه, ناداه أبو صابر :

– يا أخ .. يا أخ .. هل لي بشربة ماء سقاك الله من ماء الجنة.

ناوله الرجل القربة فأخذ منها جرعة وشكره. هم الرجل باستئناف مسيرته ثم توقف والتفت الى أبي صابر قائلا: يبدو من لهجتك أنك فلسطيني

– نعم “احنا” فلسطينيون من لبنان وأنتم من أين؟

– نحن أيضا من فلسطين.. فلسطين المحتلة.

– من أي منطقة؟

– من عرابة .. دير حنا

هبت أم صابر من مقعدها واقفة كمن لسعتها نحلة وصاحت بصوت كادت تخنقه العبرة.

– عرابة !! مستحيل .. ندى .. ندى .. أختي .. هل تعرفها؟ انها متزوجة هناك في عرابة دير حنا, زوجها اسمه محمد العابد. أكيد تعرفهم أليس كذلك؟ قل لي أرجوك؟

راحت تتكلم وتسأل بحماس شديد. تسأل وتجيب والدموع تنهمر من عينيها. التفت النساء من حولها وصرن يواسينها ويربتن على كتفها تارة ويبكين معها تارة أخرى, ويسألن عن أقرباء لهن في لبنان يسمعن عنهم ولا يعرفنهم. صاح الرجل المرافق:

– وحدوا الله يا نسوان .. نحن في بيت الرحمن لا في مأتم.

– لا اله الا الله..

جففت دموعها ثم عاودت الأسئلة.

نظر الرجل اليها بتفكر, بدا وكأنه يخفي شيئا لا يريد البوح به.بعد صمت قصير قال لها:

– نحن لا نعرفها شخصيا.. ولكن معنا في البعثة امرأة من عرابة أوصافها كذا وكذا ومعها زوجها وولدها. عندما نعود الى مقر اقامتنا نسألها, فان كانت تعرف اختك نطلب منها أن تأتي معنا الى هنا أو نأتي ونأخذك اليها.

صاحت أم صابر :

– هذه المواصفات تنطبق على اختي. خذوني معكم الآن, ارجوكم أريد أن أراها الآن.

احدى السيدات قالت: أهلا وسهلا بك تفضلي معنا, ولكن الرجل المرافق لها اعترض وأصر على موقفه رافضا بشدة طلب أم صابر. وقال لها مواسيا: دعينا نسألها أولا فربما لا تعرف أختك!! أما ان كانت تعرفها فلا تقلقي سنوصل ما بينكما.

بعد ذهابهم كانت ام صابر في حال من القلق والحيرة. تروح وتجيء مضطربة لا تدري ماذا تفعل. هل تذهب وتسأل عن مقر بعثة فلسطين وتبحث عن تلك المرأة التي من المحتمل أن تكون أختها فتهدأ وتخفف من روعها “يا رب أنا حائرة ماذا أفعل.. اروح .. أو لا أروح؟ ومن أين لي بالصبر حتى يوم الغد.. الله يسامحك يا ذاك الرجل .. الغامض”!

كانت عيناها القلقتان تراقب عقارب الساعة وهي تزحف ببطء شديد. تنتابها مشاعر مختلطة. لا تدري ان كانت قد نامت في تلك الليلة او لم تنم.

قضت ليلتها ترقب الفجر وتشد اذنيها تنتظر صوت الآذان فيأتيها صوت جدها – امام المسجد – يصدح من الماضي البعيد. تفيق على صوته يرتل القرآن بصوت شجي. وعندما يحين موعد الآذان يقفل القرآن ثم يقبله ويرفعه ليلامس جبينه حمدا وشكرا لله ثم يضعه في قالب مطرز معلق على الحائط.

كانت تطل من النافذة تراقبه عندما يخرج من البيت ويتسلق شجرة البلوط العتيدة ويتنقل فوق فروعها الوارفة ثم يحط فوق سطح المسجد. قال لها جدها “منذ فتحت عيني على هذه الدنيا وهذه الشجرة قائمة. فروعها ضخمة وممتدة من كل صوب تغطي مساحة المسجد وبيتنا والبيوت المجاورة. كنا نتفيأ بظلها ونلعب حولها, ندور ونلف من دون أن يلحظنا أحد, وسمّاها اجدادنا “شجرة الجامع”.

تلك الشجرة كانت تمثل لها الامتداد والاستمرار. في الربيع تنبت على سطح المسجد بين شقوق احجار الطين شجيرات البابونج والكراث. خطر لها ذات يوم ان تصعد فوق السطح وتقطف زهرات البابونج.

وبعد أن جمعت منها باقة كبيرة واقتلعت بعض رؤوس الكراث, خطت خطوة في طريق عودتها الى الارض, ولكن حدث ما لم تكن تتوقع. انزلقت قدمها فوق منطقة هشة في السقف فبدأ التراب ينهال من تحت قدميها بغزارة وكادت تسقط لولا انها ولحسن حظها كانت قريبة من احد الاعمدة فتشبثت به بكلتا يديها وراحت تنظر الى اسفل مذعورة. التراب ينهال وهي معلقة في السقف ترتعد.

لم يكن وقت الصلاة قد حان لينقذها المصلون, لذا فالأمل في النجاة ضئيل. تسمرت عيناها نحو الباب لعل قادما يراها او يسمع صوتها المستغيث. ولكن لا يبدو في الافق منقذ. بعد أن يئست من الانتظار وتعبت يدها المتعلقة رأت أن لا مخرج لها سوى المخاطرة بالقاء نفسها للقدر, نظرت تحتها الى كوم التراب الهائل وارخت يديها فسقطت فوق الكومة.

عادت من خيالها على صوت أقدام. قفزت من فراشها, توضأت وصلّت الفجر بسرعة البرق. استغفرت ربها وخرجت بين الحشود تحدق في الوجوه. وصارت ترى وجه ندى في كل الوجوه. فخيالها يرسم لها توقعات كثيرة.

تلك المرأة القادمة قد تكون هي .. أو تلك .. تنقل بصرها من واحدة الى اخرى. شعرت بشئ من الاحباط اذ يبدو لها وكأنها تبحث عن ابرة في محيط.

تلك امرأة ممتلئة قادمة .. ملامحها قريبة منها .. نعم .. انها هي هي .. تقدمت بحماس خطوة الى الامام ثم توقفت.. ماذا لو لم تكن هي كما حدث لها منذ الصباح، ستضحك المرأة منها وربما تعتبرها بلهاء. اذ كيف تخطئ أخت اختها! عادت وتراجعت خطوة الى الوراء, همست لنفسها “ولكننا لم نر بعضنا منذ ثلاثين عاما” تحمست وقامت تخطو باتجاه المرأة, أمسكت بطرف جلبابها الابيض ملقية تحية الصباح. تطلعت المرأة اليها ورطنت في وجهها كلاما لم تفهم منه سوى عبارة “السلام عليكم”.  شعرت بمرارة عندما تبين لها أن المرأة كانت تركية.

لا تدري ان مرّ عليها دقائق أو ساعات وهي تبحث .. تحدق .. وتخمن. مع انتصاف النهار احست وكأن دهرا ثقيلا مرّ عليها. انتابها شعور باليأس من هؤلاء الذين وعدوها بالعودة .. يبدو انهم ارادوا التخلص منها. لماذا يريدون أن يتخلصوا منها, انها ليست جاسوسة  ولا تفهم بالسياسة. انها امرأة بسيطة وطلبها بسيط جدا. كل القضية انها تريد أن ترى أختها أو حتى تطمئن عليها.

هزت رأسها بحسرة هؤلاء القادمون من الارض المحتلة يتحاشون الاختلاط بنا. يخافون من اسرائيل. لأنهم  – كما سمعت – عندما يعودون يستدعون الى مراكز المخابرات للتحقيق معهم واستجوابهم وتتم مراقبتهم لعدة أيام. من المؤكد أنهم تهربوا منها حتى لا يتعرضون للمساءلة ووجع الراس.

يا رب, لماذا لم ألحق بهم؟ كان من المفروض أن أتبعهم, اهتدي الى مكان اقامتهم. كيف يمكنني أن أصل اليهم الآن في هذا المحيط الهائل من البشر! آلاف مؤلفة من كافة أصقاع الدنيا, جميعهم يلبسون ملابس بيضاء فضفاضة ومتشابهة.

عادت الى مقر اقامتها, توضأت وصلت ثم جلست تقرأ القرآن فبدأ القلب يهدأ ويستكين. وقالت “كل شيء قسمة ونصيب” ولن أرى الا ما كتب الله لي. في تلك الأثناء دخلت امرأتان الى المقر, المرأة التي كانت في المقدمة سألت امرأة مصرية كانت قبالتها :

– أيوجد معكم هنا فلسطينيات؟

قفزت أم صابر من مقعدها وارتمت على المرأة الاخرى دون أن تتحقق أو تسأل. أحست أنها لن تخطئ أبدا, هذه هي ندى بعينها بلحمها وشحمها. انها هنا.. الرجل الذي بدا غامضا يخبئ شيئا لا يريد ان يفصح عنه يعرف ان المقصودة بالبحث هي تلك المرأة المرافقة للزوج والولد, يعرفها تماما لكنه لم يشأ أن يخبر أم صابر بذلك فسارعت الاخرى للقاء أختها.

لم تكن أي منهما تدري بقدوم الاخرى الى موسم الحج. فوسائل الاتصال تأتي عبر الصليب الاحمر, وفي كثير من الاحيان لا تصل الرسائل الى اصحابها. لكن هاجسا بداخلها كان يقول لها ان مفاجأة سارة ستقابلها. مفاجأة من نوع الفانتازيا نحلم بها لنستعيض عن عجزنا وعجز العالم من حولنا عن تحقيق امنية انسانية بسيطة. تعانقتا وراحت الواحدة منهما تقبل الاخرى والدموع تنهمر من أعينهما, وظلتا متعانقتين تبثان بعضهما الحب والشوق والحنين وتسألان من دون أن تنتظر أي منهما جواب الأخرى.

والتفت النساء من حولهن من جنسيات متعددة ولغات مختلفة يبكين قبل أن يفهن للقصى تعاطفا مع اخواتهن في العبادة في مشهد مؤثر لا مثيل له حتى على خشبة المسرح.

جريدة الحياة / لندن29 آب/أغسطس 1995

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*