الرئيسية / articles / المواطن ” حر “

المواطن ” حر “

بلع ريقه المواطن “حر” وبصق على الارض مغتاظا بعد ان التقطت عيناه مجموعة من الشباب يسيرون في الاتجاه المعاكس. لعن أصلهم .. هؤلاء القادمون من اوروبا الشرقية يزاحمونه على رزقه .. انهم يقبلون بأبخس الاجور .. وأبناؤهم غدا سيزاحمون أبناءه .. وطبعا ستكون الاولوية لهم لأن لونهم الابيض يمكنهم من الاندماج في المجتمع ويصبحون بريطانيون شكلا ومولدا، بينما اولاده يظلون، بسبب لونهم الاسمر، غرباء مهما تقدم الزمن وتعاقبت الاجيال.

في هذا البلد أصبح المواطن “حر” قلقا على مستقبله ومستقبل الاجيال القادمة من صلبه .. في موطنه الاصلي لم يكن المواطن “حر” قلقا على المستقبل فالمستقبل بيد الله وحده.

توقف أمام محل لبيع الاجهزة الكهربائية ونقل بصره عبر شباك العرض على اجهزة المذياع المعروضة وعلى اسعارها المتفاوتة.

دخل المحل وطلب معاينة جهاز معين بعد أن استفسر من البائع ان كان الجهاز  يبث على الموجة المتوسطة لكي يستمع عبره الى أخبار العالم العربي .. فالاذاعات المحلية التي تخص المواطنين لا تهمه .. هو هنا مواطن بالجنسية. أما موطنه العاطفي والوجداني فهناك .. ما وراء البحار والمحيطات .. وذاك الوطن يلبسه .. يلبس جسده وروحه ولا يفارقه. فهو معه في الحلم وفي اليقظة يتعذى بذكراه ولا يستطيع العيش بدون الاتصال به حتى ولو عبر الاثير.

قدم له البائع مذياعا ماركة سوني قائلا بأدبه الانكليزي المعهود:

سيدي هذا الجهاز قد يفي بحاجتك.

أأستطيع ان استمع الى اخبار العالم العربي عبره بدون تشويش؟

لا ادري سيدي .. ولكن بامكانك الاستماع عبر الموجة المتوسطة الى اخبار العالم كله بوضوح.

ولكني اريد المذياع خصيصا للاستماع الى أخبار العالم العربي .. هل تجربه لي هنا كي أتأكد من صلاحيته، فلدي في البيت ثلاثة أجهزة عديمة الفائدة .. نعم أخبار العالم تهمني .. ولكن تعنيني أكثر أخبار العالم العربي. لذلك اريد مذياعا جيدا.

سيدي ممكن ان اجربه لك هنا، ولكنك لن تحصل على ارسال جيد، حيث ان كثرة الاجهزة في المحل وتنوعها ستعمل على التشويش على أي محطة أكانت عالمية أم محلية. بامكانك ان تأخذه معك الى بيتك فاذا لم يكن حسب طلبك بامكانك استبداله، فقط عليك أن تحتفظ بالايصال.

هل تعيد لي نقودي اذا ارجعته ؟

لا .. ولكن سيدي بامكانك ان تستبدله بأي شيء آخر.

ولكني لا أريد أي شيء آخر .. أريد نقودي.

يا سيدي .. آسف لا نعيد النقود .. وانما بامكانك ان تستبدله بأية بضاعة أخرى.

ولكن هذا ضد القانون، فالقانون يعطيني الحق في استرداد نقودي مقابل المرتجع.

آسف – سيدي – قانون المحل لا ينص على ذلك.

ولكن قانون المستهلك لصالح الزبون .. أين المدير ؟ أريد مقابلة المدير.

ذهب الشاب الى الداخل وعاد وبرفقته المدير الذي بادر الزبون بالقول بأدب ولباقة.

نعم سيدي .. كيف يمكنني مساعدتك؟

أريد ……………..

عفوا سيدي .. ما تقوله غير ساري هنا في محلنا .. على كل حال أنت لم تشتر شيئا بعد.

ولكني سأشتري .. فأنا بحاجة الى شراء المذياع، وربما اضطر الى ارجاعه، لذلك يهمني ان أحفظ حقي في استرداد نقودي، شئت أم أبيت، وسوف أشكو هذا المحل الى الادارة العامة التابع لها أو حتى الى المحكمة اذا لم أحصل على حقوقي كاملة كمستهلك لبضائعكم.

سيدي بامكانك ان تفعل ما تشاء .. ولكنك لم تشتر شيئا بعد !!

ولكنكم لا تطبقون القانون ..

عفوا – سيدي – لدي أعمال أخرى .. باذنك.

غضب المواطن “حر” وصمم أن يدفع هؤلاء الاستعماريون ثمن تعنتهم، وثمن هذا البرود القاتل مقابل فوران دمه.

عاد الى عمله، وفي مكتبه رفع سماعة التليفون وطلب المكتب الرئيسي للمحل وراح يشكو :

اشتريت من محلكم في “كوينزوي” مذياعا، وبعد أن جربته في البيت وجدته غير صالح للغرض الذي أريد، فحاولت ارجاعه، لكن المحل رفض اعطائي نقودي ..نعم؟ .. نعم  ؟؟ ماذا تقول ؟ أستبدله بشيء آخر ؟؟ أنا لا أريد شيئا آخر .. أريد نقودي والا ..  سآخذكم الى المحكمة .. وربما الى محكمة العدل الدولية .. أتعرف أيها السيد أنا لست غبيا من الشرق .. انني ذكي .. وذكي جدا .. واعرف القوانين جيدا، وأعرف حقوقي .. نعم أنا أعرفها منذ زمن بعيد .. وبعيد جدا .. ومن قبل أن ألج محلكم وبلدكم البارد .. أنا مواطن عربي حر .. أعرف معني الديمقراطية .. وأفهم في القانون والسياسة والفلسفة والتكنولوجيا .. ولم اشتر مذياعا من محلكم ولكنني اشتريت ما هو أعظم بكثير .. اشتريت وبثمن باهظ حقوقي التي لن أتنازل عنها مهما كان حجمها وشكلها ونوعها .. لقد دفعت الثمن من دم قلبي الذي لا يزال ينزف على هذا الوطن الذي يعيش في وجداني وعقلي وجلدي والذي كنوز الدنيا لا تساوي نسمة من نسائمه الدافئة.

جريدة الزمان /لندن 12/2/1998

تعليق واحد

  1. Very nice article making a valid point then, when it was written, and still now

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*