الرئيسية / articles / الرحيل

الرحيل

امتحانات السنة الجامعية علي الأبواب , والاستعداد ليس علي ما يرام ..! تتطلع بحيرة وقلق .. ما قيمة الشهادة الجامعية ..! بل ما معني الحياة في زمن الاغتصاب لا زمن الاجتهاد .

تقلب المقرر تبحث عن مادة تثير شهيتها للقراءة ,  وربما شهيتها للحياة , تفكر في صاحبتها التي تذاكر في الغرفة الأخرى , وتحسدها علي هدوئها وصمتها ” كم هي محظوظة ..! لا بد أنها _ لان _ قد انتهت من جزء كبير من المنهج صوت شادية تغني : ” خيفة لم تسافر علي البلد الغريب .. تنسي انك سايب في بلدك حبيب ” ينساب إليها من المذياع فيثير فيها الحنين , إلي ما تقدم من عمرها , بحلاوته ومرارته . يلامس اللحن الشجي الروح والجسد فترتعش وتنتعش في حلم جميل , تعيد خلاله ترتيب الأحداث من جديد , وكما يحلو لها .

هناك في الشارع ذاته تتأبط ذراعه ويسيران سويا يدا بيد نحو مستقبل يصنعانه بالحب والأمل والانسجام . ” سوف نصنع المعجزات ” قال لها بتصميم ..! ” أجابت ” لا أريد معجزات , فقد انتهي عهد الأنبياء .. أريد حياة بلا قهر ” .

تفيق من حلم جميل , علي صوت نشيج خافت , يأتي من الغرفة الأخرى , نشيج يتلازم مع نغمات الأغنية فيدمي جراحا لم تندمل , وتعود إليها أصداء الماضي , وأيلول الأسود ,وأصوات القذائف و الانفجار تدك مدينتين , عمان وبيروت , ويتوحد الألم رغم المسافة بين مدينتين أو غرفتين , وتعود الحكايات إلي بدايتها من جديد .

ليتها لم تقرر الرحيل مع أخر , لم يكن زوجا بالاختيار , كان أشبه بالانتحار , تزوجته لأنه كان مغتربا , فوجدت فيه مخرجا لها , من البلد الذي يذكرها بكل شئ .. وهي تريد أن تنسي .. ولكي تنسي كان عليها أن تغير المكان والأشخاص إلي عالم لا يرتبط بماضيها حتى لا تؤلمها الذكري .

ولكنها اكتشفت أنها واهمة , وان ما تهرب منه هو في نفسها , في روحها ودمها , وفي إيحاءات عينيها . وأنها بفعلها اقترفت جريمة مزدوجة , جريمة بحق نفسها , وجريمة بحق زوج برئ , يطمح لإسعادها بشتى الوسائل فضاعفت بذلك همومها . لو أن والدها لم يفعل ما فعل , لعاشت حياة طبيعية مثل كل بنات جيلها ,  ولما تعرضت لتلك الهزات العنيفة , التي قلبت حياتها وحملتها الهموم مبكرا .

كانت سامية في التاسعة من عمرها , يوم اقتحم الجنود بيتها , وراحوا يفتشون في كل مكان , يشتمون ويسالون عن والدها , وينعتونه بالكافر الجاحد . لم تفهم وقتها معني تلك الكلمات , وفي صباح اليوم التالي علمت أن أباها مطلوب لأمن الدولة . كان أبوها ضابطا في الجيش الملكي ولكنة كان ناصريا متحمسا .. وكان عبد الناصر بالنسبة له أسطورة التي يتطلع إليها . لكن خطة الانقلاب علي الملك أحبطت , والقي القبض علي معظم الضباط , وتمكن البعض الأخر من الهرب عبر الحدود إلي البلدان المجاورة .

كان والدها من بين الذين تمكنوا من الهرب , ثم عرفت فيما بعد انه استقر في القاهرة , حيث عاش لاجئا سياسيا هناك , تاركا خلفه زوجة وطفلين , وصراعا شرسا بين زوجته وأهله , انتهي باحتضان الأهل للطفلين .

وهكذا اضطربت حياة هذه العائلة الصغيرة , وتشتت أعضاؤها , وأحست سامية أنها وأخاها ضيفان في بيت عمهما . كان البيت كبيرا وجميلا وكان العم كريما ولكنها لم تكن سعيدة . فقد سقطت حلقة هامة من حياتها , أخلت بالتوازن .. فأصبحت تسرح كثيرا , وغطي الحزم ملامح وجهها الهادئ الجميل .

ومما زاد الأمر سوء ترشحها عروس لابن عمها الذي كانت تري فيه البلاهة والهبل . كانت تتمني أن تظل طفلة صغيرة , لان الطفولة تحصنها من ذلك المصير القاتم . ومع هذا كان الموضوع يسبب لها صراعا يضعها في حيرة من أمرها , فتشعر أحيانا بالجحود والخجل بسبب هذا الرفض , إذ أن كثيرا من الزيجات تتم بقرار عائلي , وكم من الزيجات التقليدية نجحت حيث لم ينجح الحب , من يدري ..؟ ربما أحبته بعد الزواج .

ومع أنها لم تكن تفكر بالحب , أو تحلم به , إذ لا حيز في حياتها لمثل هذه المسائل , إلا أن الحب اقتحم حياتها الرتيبة فجأة , وبدون استئذان . جاء مع أخيها سامي الذي تصدي له ولها بشدة .

كان سامي قد سافر إلي القاهرة حيث التحق بكلية الهندسة هناك , ورغم الفراغ الذي خلفه لها غيابه , حيث كان يعوضها عن غياب الأم و الأب , إلا انه سرعان ما كان يحضر في الإجازات , حاملا معه الهدايا والحكايات المثيرة عن تلك المدينة التي لا تنام

لكنه في ذالك اليوم حمل هدية لم تخطر ببالها ولا بباله , صديقة الحميم حسام ..!

فعرفت الحب هكذا وبلمحة من غفلة الزمن الذي قسي عليها .

لقد تبدلت تعابير الوجه البرئ وانقشعت عنه مسحة الألم والحزن الذي لازمته منذ الطفولة , ورقص القلب وتهادي علي عزف نبضات الوجدان ..انه الحب .. يقع بكل الألوان كانت بالأمس جمادا لا حياة فيها .. إنها لان تناغيها وتبتسم لها وحفيف أوراقها يشدو في مسامعها قصائد ناعمة رقيقة .

ولكن القدر الملعون أبي إلا وان يعاندها , فالأخ الذي رعاها وغمرها بالحب والحنان في طفولتها , تصدي لهذا الحب وهذا الوفاق , وصمم علي أن يقوم بدور الجلاد . لم تكن سامية تدرك في يوم من الأيام , أن يكون في مثل هذت القسوة وهذا التفكير المتخلف .. وهو الذي طالما رفع الشعارات الثورية , وتغني بالقيم الإنسانية , والمساواة بين البشر .

إلا أن ظهرت شخصيته , بتركيبتها الطبقية المتعفنة , ومفاهيمه البلاهة , وراح يهدد ويتوعد . ولكي يحول دون استمرار هذه العلاقة , فرض علي شقيقته حصارا شديدا , ومنعها من الخروج من ا لمنزل , أما بالنسبة لصديقه الحميم الذي شاركه مقاعد الدراسة وشاركه النضال .. نضاله السياسي والقومي .. فقد تنكر له , واتهمه بالخيانة و الانتهازية . و دافع حسام بابتسامة عن حبة وصدق عواطفه ونبل مقصده , لكن محاولاته لم تنجح .

وللمرة الثانية تجد نفسها ضحية , ضحية مفاهيم لا تعني لها شيئا , تجد نفسها سجينة وتحت المراقبة . إلا أن إرادة الحياة تفتح لها دروب اللقاء , فيلتقيان ويتفقان علي أن يديرا ظهريهما لكل من يعترض حياتهما , ويقنعها حسام لمغادرة لمنزل ليتزوجا علي سنة الله ورسوله , زواجا تقره السماء و الأرض , فتوافق علي ذالك ويحددا موعد اللقاء .

ورغم الخوف الذي يعتريها , إلا أنها تصمم علي مواصلة المشوار , إذ لا خيار أمامها , فإما أن تدافع عن حبها وحياتها , أو أن تعيش ضحية مسلوبة الإرادة والشخصية .

وفي اليوم المتفق خرجت من بيت عمها مولية ظهرها لرحلة حافلة بالآلام متطلعة إلي غد تري فيه المستقبل الذي تحلم به , وتعيش السعادة التي حرمت منها . بقي أمامها ساعات قليلة , ويصير حقيقة ملك يديها , ولن ينتزع منها هذا الحلم أي كان علي وجه البسيطة .

وفي الوقت المحدد .. وقفت وانتظرت .. ساعات وساعات .. ولكنه لم يأت ..!

وعندما ادلهم الليل يئست من طول الانتظار وعادت إلي البيت خائبة تجر ذيول الآسي والحيرة ,, لماذا لم يأت..؟  لماذا .. لماذا ؟.

وصلها الخبر كصاعقة ذهبت بصوابها وراحت طريحة فراش المرض .

لقد خرج حسام من منزله وبيده حقيبة , ذاهبا لملاقتها تماما كما اتفقا , ولكن يد الشؤم كانت اسبق , فقد استهدفه فناص لحظة خروجه من منزله , وأمام باب بيته , ورماه بطلقة أردته قتيلا  .. فجن جنونها وقررت الرحيل .

تعليق واحد

  1. بجد كلام جميل جدا وياريت الكل يفهمة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*