الرئيسية / articles / أحلام

أحلام

تناولت تذكرة السفر من يد موظف الخطوط غير مصدقة أن الحلم أوشك أن يصير حقيقة. منذ متى وهي تحلم بهذه الرحلة، لقد مضى زمن طويل وهي تمني النفس برحلة الى أغلى وأعز عاصمة في الدنيا. مدينة الحب والجمال .. الفن والخيال. وهكذا حزمت أحلام حقيبتها وتوجهت الى المطار والنشوة والفرح يغمران قلبها وروحها.

ها هي طائرة الاحلام جاثمة فوق أرض المطار. الركاب يتقدمون وشريط أجمل الذكريات يعود بها الى سنين الطفولة الحالمة عندما كانت تلعب فوق الرمال والاذاعة تصدح بالاغاني الوطنية والاناشيد الحماسية وأحلام التحرير والعودة، فتحدث أصداء تجعل الحياة اليومية أشبه بمهرجان سياسي. صوت يهدر عبر الأثير فتشعر وكأن الارض تهتز من تحتها. ترفع رأسها عن كومة الرمل تتلفت حولها بعينين مفتوحتين على اتساعهما وينساب شعرها الأسود الناعم حول وجنتيها المتوردتين. وبعد أن تطمئن الى أن الكرة الارضية ما زالت ثابتة تحتها تضحك ثم تعود الى أكوام الرمل تصنع منها كثبانا بأحجام مختلفة.

بعد حوالي ساعتين هبطت الطائرة بسلام واتجه الركاب على متن حافلة تنقلهم الى صالة العبور. مدت وثيقة السفر الخضراء تتوسط غلافها الارزة وعبارة “للاجئين الفلسطينين في لبنان” الى موظف الجوازات الذي أومأ الى أحد العاملين ممن يقفون خلفه. تقدم الأخير والذي كان يحمل على كتفه شارة “ضابط أمن” وعلى وجهه صقيعا يباعد ما بينه وبين من يحاول الاقتراب منه. بسط يده أمامها قائلا: “تفضلي حضرتك معايا”.

سارت أحلام خلفه عبر بهو طويل، انعطف يمينا الى ممر آخر فانعطفت وراءه, ومن ممر الى آخر الى أن توقف عند باب غرفة معزولة في أقصى المبنى، فتح الباب وأشار اليها بالدخول فدخلت واجفة. كان منظر الغرفة يوحي وكأنها مهجورة منذ زمن بعيد، لمحت على الجدار المقابل للباب بروازا صغيرا بداخله خارطة فلسطين ثم عبارة “ثورة حتى النصر” وشعلة يتصاعد منها اللهب. عند ذلك تبدد الخوف وارتخت من الفرحة عضلاتها بعد أن كانت متشنجة .. ها هي فلسطين حاضرة في كل مكان وفي كل وجدان .. أو جدران !! الا أن الشعور بالارتياح بدأ يتقلص وهي تنقل بصرها في أرجاء الغرفة. جدران عارية الا من تلك الصورة، أرضية جرداء تتوسطها طاولة خشبية. كراسي مصطفة بمحاذاة الجدران.

أشار لها موظف الأمن بالدخول قائلا بلهجة حيادية خالية من أي تعبير: عشر دقائق فقط وتنتهي الاجراءات. ثم انصرف.

كانت الأفكار والخيالات تحوم في رأسها، ما هذه الاجراءات التي تتطلب عزلها في أقصى المطار بينما المسافرون في الطرف الآخر من كل جنس ولون يدخلون ويخرجون عبر الردهات الفسيحة ويتبادلون الابتسامات وعبارات الترحيب والشكر مع موظفي المطار. واذا كان الأمر مجرد عشر دقائق لماذا هذا المشوار الطويل عبر الممرات الطويلة؟.

على كل حال ها قد مرّ ما يزيد عن عشرين دقيقة رغم أن عقرب الساعة يزحف بتثاقل ، سمعت بينما هي غارقة في أفكارها وقع أقدام متعثرة تقترب من الباب المفتوح وأصوات أطفال يصيحون، رجال ونساء وأطفال يتقدمهم ضابط أمن آخر ويشير اليهم بالدخول. كلهم فلسطينيون آتون من عدة بلدان ويحملون جوازات أردنية .. عراقية .. تبادل الجميع عبارات التعارف وعبارات الأسى. في تلك الأثناء أطل شاب نحيل صغير الحجم، نظر هنا وهناك دون أن يستقر نظره على شيء محدد، ثم مشى بخطوات متشنجة الى نهاية الممر. عاد ودخل الغرفة ثم جلس على كرسي كمن يتأهب للنهوض مرة أخرى، ولكنه راح ينظر في كل وجوه الحاضرين كمن يبحث عن فرصة للاندماج في هذا الجمع. أحد الحاضرين سأله من أين آت.

أجاب: من البرازيل، وصلت الى هنا قبل ثماني وأربعين ساعة قادما من البرازيل لزيارة أخي الذي يدرس هنا فقادوني الى هذه الغرفة وها أنا أذرع أزقة المطار بعد أن صرفت كل ما في جيبي من دولارات في فندق ومطاعم المطار وما زلت أنتظر.

خارج الغرفة وعلى يمين الباب رجل يحمل على كتفه شارة ضابط أمن يقف ويداه معقودتان خلف ظهره. نهر الشاب الذي كان يتكلم بصوت عال: هدوء من فضلك.. حافظ على الأمن.

لكن الشاب لم يلتفت اليه واستمر في حديثه وضحكات ساخرة تتخلل كلامه. كان يبدو وكأنه يتنفس من خلال مشاغبته للضابط، ولكن في حلقه عبرة مختنقة تدمغ صوته بحزن عميق .. سحيق .. يحاول أن يطفو فوقه.

اذن ما زال أمامها الكثير من الانتظار لتعرف المصير. تقدمت من ضابط الأمن وسألته عن دورة المياه فأشار لها أن تتبعه. مشت خلفه الى أن توقف في نهاية الممر وأشار بيده نحو الباب ثم أشاح بوجهه في اتجاه آخر. أغلقت الباب ورشقت وجهها بالماء البارد باستفاضة. كانت بحاجة الى قليل من الانتعاش. سرحت شعرها وعدلت هندامها. ثم شقت الباب بحذر شديد فرأته واقفا في الخارج ينتظرها، يداه مغروزنتان في جيوبه. لماذا ينتظرها خلف الباب!! صار الخيال يلاعبها.. ماذا يمسك بيديه؟ مسدسا؟ بدت لها الفكرة مضحكة ومرعبة في آن واحد.

عادت الى الغرفة الأشبه بالمنفى ودوي الأصوات يطن في الآذان فيزيد الجو اختناقا. الأطفال يصيحون والكبار يتأففون ويشتمون الملوك والرؤساء والحكومات وأجهزة الأمن والعرب واليهود وأمريكا وأنفسهم أيضا. الشاب ما زال يدخل ويخرج بخطوات أشبه بالقفز والساعات تمر دون بارقة أمل.

انتصف الليل .. الشاب اختفى من المشهد دون أن يقول وداعا .. ضابط الأمن يدخل وينادي بأسماء يتبعه أصحابها. لم يبق في الغرفة غيرها. ضابط الأمن يتقدم منها. تشعر بالخوف بل بالرغب بعد أن أصبحت وحدها. دقات قلبها تتالى بسرعة، ماذا سيفعلون بها!! ضابط الأمن فتح فمه، قال لها: ممنوع دخولك لأسباب أمنية، سوف تعودين على متن الطائرة الى حيث جئت.

وقع الكلام وقوع الصاعقة. ثارت واحتجت وطلبت مقابلة المسؤول ولكن الضابط أجابها بلهجة حاسمة “التعليمات واضحة”. لقد كان توقيت فترة الانتظار او الاحتجاز يتزامن مع توقيت عودة الطائرة.

وقبيل الاقلاع حضر ضابط أمن آخر يحمل بيده وثيقة السفر وأشار لها أن تتبعه الى مدرج المطار. صعد سلم الطائرة ومد يده بالوثيقة الى مسؤول الأمن بالطائرة وتمنى لها رحلة سالمة.

بعد ساعتين حطت الطائرة في العاصمة الأخرى. استفسر ضابط الأمن في الطرف الآخر عن سبب العودة بهذه السرعة وبذات الطائرة، فروت له أحلام القصة باختصار. كان يرغب بسماع المزيد رغم انشغاله بالقادمين. تأثر فعلا وبصدق، ذلك الشعور العفوي الذي يسبق الشعور باللوائح والقوانين: أهلا وسهلا بك في بلدك. كلمة خرجت من فمه مشبعة بالتعاطف جعلت الدموع تنهمر من عينيها، تلك الدموع التي حبسها الكبرياء طوال أربع وعشرين ساعة. ومع أن كلمة “بلدك” لم تعن لها شيئا الا أن ما غسل حزنها هو شعور فردي بعيدا كل البعد عما أطلق عليه “بلدك”  لما لتلك البلد وغيرها من حكايات تفطر القلوب.

مجلة الحدث العربي والدولي – باريس آب/أغسطس 1999

تعليق واحد

  1. .عاد الى موقعه بلوق الاخت العزيزة فيروز بقصصه الفصيرة المستمدة من وافع الحياة والمجتمع الذي نعيش به. تقرأ وتعتقد انها قصتك او حادثة مرت معك بلغتها العربية البليعة والكلمات المنتقاة بحرص وعمق لتعبر عن المشاعر العميقة بالحياة. أرجو ان تستمتعوا كما استمتعت انا. واي تعليق على اي موضوع يهمنى ان اقرأه على صفحات الفيس البوك لنتبادل الاراء والافكار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*