كمال

لم اكن قد تجاوزت السابعة من عمري،  ولكني كنت دائما أشعر بأنني أكبر ممن هم في مثل سني.  لذلك كثيرا ما كنت أجلس مع أخي الأكبر ورفاقه وأستمع الى أحاديثهم ومناقشاتهم السياسية، وهو الموضوع المهيمن دائما، وأي قضايا أخرى. لم أكن أفهم كل ما يقال ولكن بعضه كان يبهرني. كان أخي أحيانا يتضايق من وجودي مع الكبار،  وأحيانا أخرى يشركني في الحديث متباهيا أمام رفاقه بأن أخاه يتجاوز عمره الصغير بالفهم والاستيعاب.

كان جيراننا يشتغلون في صناعة الحقائب النسائية. كمال، الابن الأكبر، كان طويل القامة، جسيما، له عضلات مفتولة. كنت أنظر اليه بحب واعجاب، وكان جلوسي معهم في المحل من أحب الأوقات الى نفسي. لم يكن محلا بالمعنى التجاري وانما كان عبارة عن غرفة في بيتهم خصصت للعمل، يستلمون الجلود من محل كبير في ساحة البرج في بيروت ويصنعونها في بيتهم.

كان أحدهم، كل يوم سبت، يذهب الى محل عملائهم في ساحة البرج يسلم الحقائب الجاهزة ويستلم الجلود .. “شغلهم كان حلو كتير”. كمال كان يثبت الجلد على قالب ويقصه ثم يلقي به الى أخيه عيسى الذي يقوم بدوره بجمع الاطراف ولصقها بالصمغ الاصفر. أحيانا كانوا يشركوني معهم بالعمل كأن يعطوني  لوح من الكرتون “أهوي” به على الجزء الملصق حتى يجف. بعد أن تجف جميع الاطراف يعطى الى ابراهيم الذي يقوم بدوره بخياطة الاطراف على ماكينة الخياطة.

كانوا يحبوني كثيرا ويعاملوني وكأني شاب مثلهم، وأكثر من ذلك كفرد من عائلتهم، وهذا ما أفرحني اذ نلت اعجابهم. صاروا يسلموني الجلد فألصقه بنفسي بالصمغ الاصفر.

والدة كمال كانت ألمانية شقراء، تجلس بعد الظهر على كرسي واطئ بدون ظهر أمام البيت. كنت أراها في الصباح وقد جلست على “طبلية” خشبية صغيرة وأمامها طشت يتصاعد منه بخار الماء الساخن، تغسل الملابس وتعلقها على الحبال مثل باقي نساء المخيم…  يالله !! ..  كم كنت أتعجب كيف تأقلمت هذه المرأة مع حياة المخيم تاركة خلفها حياة مرفهة قياسا بتلك الحياة القاسية. أهو الحب؟ أم العطف؟ أم أشياء أخرى؟ كانت عطوفة جدا.

كان كمال عضوا بنادي الصيد، حصل على البطولة ذات مرة فازداد اعجابي به خاصة بعد أن عرفت أنه رفض استلام الجائزة حتى قرنوا اسمه بفلسطينيته. كنت أعتبره المثل الأعلى “وبدي أصير مثله”.

أحيانا كانوا يبعثوني الى حارة حريك كي اشتري لهم الغداء، يقولون لي:” أنت طفل كبير .. حلو ونظيف .. الواحد ممكن ياكل من ايدك وهو مطمئن”. أبتسم لهم وقلبي يقفز من الفرح لنيلي اعجابهم. الاعجاب متعة  لذيذة عندما يكون متبادلا خاصة بين طرفين غير متكافئين من حيث العمر والخبرة. كان الغداء عبارة عن صفيحة بعلبكية (لحم بعجين) ولبن. كنا نأكل معا ونشرب الشاي بالميرمية الذي تعده أم كمال.  بعد ذلك نتابع الشغل.

كانوا مختلفين عن باقي سكان المخيم .. دائما يحكون قصصا عن ألمانيا قبل أن يسمع بها أي أحد من أولاد المخيم ممن كانوا في مثل أعمارهم.  بمعنى .. أنهم كانوا ينظرون الى البعيد. حيطان بيتهم كانت شبه مغطاة بملصقات لصور الاجانب من بنات وأولاد ، كان التعارف بالمراسلة موضة في الستينات. تحت كل صورة اسم صاحبة أو صاحب الصورة وعناوينهم. كانت فترة  انفتاح العالم على بعضه. كثيرا ما كانت تصل رسائل وصور لأشخاص دون معرفة بعضهم ببعض. كيف عرف هؤلاء عناوين هؤلاء!!  عجبا !! اختي وصلتها رسالة تعارف، باللغة الانجليزية،  من اليابان من بنت اسمها ميتيكو كوسيجو، كادت تطير من الفرح ملوحة بالرسالة في كل اتجاه للاعلان عنها أمام رفيقاتها.  كيف عرفت متيكو كوسيجو اسم اختي وعنوانها!!  وحدودنا في تلك المرحلة نادرا ما تتجاوز المخيم – شاتيلا – الذي نسكن فيه ويسكن فينا؟  ورسالة أخرى من غزة من بنت اسمها حسنات الحربي وبداخلها منديل صغير أبيض شفاف مطرز اطاره بألوان جميلة، رسالتها كانت حول فلسطين الوطن واحلام العودة واللقاء المنتظر.</strong>

كان كمال مع نهاية اليوم يعطيني ليرة وأحيانا ليرة ونصف مكافأة لي على عملي. كانت الليرة ثروة كبيرة.. بهذه الليرة كنت اشتري سندويتش فلافل – من محل أبو شنب الواقع في مدخل المخيم من جهة شارع صبرا-  وكازوزة وأروح على سينما الشرق على الرصيف الثاني المقابل لمحل أبو شنب. كنت أحضر فيلمين مرة واحدة وأنا أمزمز بالكازوزة “خايف تخلص”. كانت متعة كبيرة عندما يحصل الواحد على كازوزة . أظل أمزمز فيها حوالي الساعتين.

كمال كان المستقبل .. في بيئة لا يلوح لها مستقبل الا في ضمائرنا .. كان النور في واقع مظلم .. وكان مثلا للتحدي الذي لم أكن أدركه بالمعنى العميق  ولكني كنت أحسه في ذلك العمر المبكر.

ذات يوم اشترى كمال موتورسايكل وكذلك محمد الذي كان يشتغل بالحديد ومجموعة أخرى من الشباب، كانوا حوالي عشرة من شبان المخيم يمتلكون موتورسايكلات ..كانت موضة جديدة في تلك الايام  .. كنت اتطلع اليهم باعجاب وتعجب وهم يسوقون هذه الموتوسايكلات ويتحركون مثل فريق واحد ..  يا الله !! أولاد مخيم “كحيانين” يملكون هذا !! كان شيئا أغرب من الخيال.  كانوا يجمعون بعضهم ويذهبون الى الاوزاعي ويخيمون هناك على شاطئ البحر.. يسبحون .. يضحكون كثيرا ..  وأحيانا يشتمون بعضهم البعض مزاحا!! . كنت لديهم الطفل المدلل وكانوا يقولون لي “بكرة رح تصير اشي كبير لأنك ذكي وطموح، وفوق ذلك حلو وأنيق”  .. لذلك كانوا يعجبون بي لأني كنت دائما نظيف ومرتب .. كانت أمي تخيط  لي ولأخوتي بنطلونات وقمصان وحتى جاكيتات ومعاطف لاخوتي البنات والاولاد من بقج الاعاشة التي كانت توزع مرة في السنة، تأتينا من الجمعيات الخيرية في أوربا . كان مدير المخيم، الرجل الأول، من قرية مجدالكروم، وكان أهالي بلدته في الصف الاول في الحصول على المساعدات . منهم من يعمل في المطعم ومنهم من يعمل في الكناسة والبعض في توزيع حليب الاطفال في الصباح.  كان ابو عيسى وهو من أتباع الرجل الثاني، وكان من البروة،  يغرف الحليب بمكيال يندلق نصف محتواه في برميله قبل أن يصل الحليب الى صاحب الحصة،  يحاول أن يعملها بخفة كي تبدو غير متعمدة، ولكنه كان مفضوحا ومادة  للسخرية ، كل ذلك كي يقنص بعد انتهاء التوزيع ما يتبقى بالبرميل لنفسه. بعض الناس كانوا يبيعون حصتهم من الحليب فيشتريها من لا مخصصات حليب لديهم يعملون منها أطباق شهية كالمهلبية والارز بالحليب والسكر وأطباق أخرى .

أما بالنسبة لبقج الملابس فكان المسؤولون، من بلدة مدير المخيم، يفتحونها قبل التوزيع ويأخذون منها ما يناسبهم ويناسب أعمار أولادهم ثم يعاودون جمع ما تبقى في بقج وتوزيعها على باقي أهالي المخيم. ولأننا كنا أقلية اذ كان أقرباؤنا وأهل بلدتنا فرادة/الصفصاف في البقاع وعين الحلوة فكانت بقجتنا غالبا ما تكون مكونة مما تبقى من معاطف سيدات او رجال رغم أننا كنا جميعا في مرحلة الطفولة، ولكنها كانت من الصوف الانجليزي الممتاز، حسب تعليقات أهلنا الخبراء في معاطف الانجليز ابان الانتداب البريطاني على فلسطين، وفي حالة جيدة جدا من الجودة، وأحذية رجالية ونسائية عالية الكعوب رغم اننا كنا اطفالا، ولذلك ترى الفتيات الصغيرات يلبسن الاحذية ويتبخترن بها فوق الرمال، فرحات ضاحكات على الحفر التي  تخلفها الكعوب العالية  خلفهن. أجمل ما في حياة المخيم في تلك المرحلة ان حياة الناس كانت محدودة ومتشابهة، الجميع متساوون.

كانت والدتنا، من حسن حظنا، تجيد الخياطة والتطريز،  فكانت تفكك الملبوسات وتغسلها وتعلقها على الحبال، وبعد ان تجف تكويها بمكوى حديدي على بابور الكاز ثم تعيد خياطتها على ماكنة الخياطة، من ماركة سنجر الشهيرة والتي اشتراها لها اخاها من أول معاش تقاضاه كرد للجميل على رعايتها له بعد وفاة والدتهم وهم صغارا. تخيطها على مقاساتنا وتطرز على الجيوب والحزام بالنسبة لمعاطف البنات فتخرج وكأنها مشتراة من أحسن المحلات.

بعد عشر سنوات ذهبت الى برلين الغربية اثر اشتداد الحرب اللبنانية وازدياد عمليات الخطف على الهوية واللهجة وأشياء أخرى. اتخذت ذلك القرار الصعب اثر حادثة حصلت معي بينما كنت أتمشى مع رفاقي من أولاد المخيم في شارع الحمرا،  نتفرج على الفاترينات في أوقات الهدوء النسبي، أو عندما نتناسى الخطر الذي يحيط بنا ، حيث من الصعب جدا لأولاد في عمرنا المكوث في البيت كالسجناء. وفيما نحن لاهون بالحديث والتعليق على الاعلانات وصور الزعماء التي ترفرف  في سماء بيروت شعرت بيد تقبض على يدي بشدة وتحاول سحبي، فتطلعت لأجد رجلا ضخما عيناه تقدحان شررا، رحت ارتعد من الخوف اذ فقزت الى ذهني في الحال روايات عن عمليات الخطف والتي كنا احيانا نتناساها عبر الانشغال بدروسنا رغم ان المدارس كانت مقفلة معظم الوقت ، رحت أسحب يدي بعزيمة قوية يساعدني في ذلك رفاقي الذين قد يلاقون مصيري في أي وقت وأي مكان على تلك الارض الملتهبة بالمشاعر المتناقضة، والاهم من ذلك مما ساهم بنجاتي اننا كنا في شارع الحمرا في منطقة مزدحمة ساعدت في فك اسري من قبضة ذلك المجرم عندما حاول المارة الهجوم عليه ففر هاربا.  لكنني كنت اترجف رعبا، وآثرت ورفاقي العودة الى مخيمنا .

عندها قررت الهجرة الى أي مكان آمن في هذا العالم رغم ارتباطي أنا ورفاقي بالمخيم ارتباطا عضويا ونفسيا. كان المخيم بالنسبة لنا هو الطريق الى فلسطين، وكانت لدينا قناعة أن كل من يرحل ينسى فلسطين. فلسطين كانت دائما حاضرة في صحونا ومنامنا، في كل مناسبة ومن غير مناسبة. “ان شالله في العودة” كانت الامنية التي لا قبلها ولا بعدها أماني، دائما على شفاه الفلسطينين. كنا في مدرسة الاونروا نتحدى الممنوعات ونتظاهر هاتفين بشعارات العودة والتحرير  في شوارع بيروت، فتهاجمنا “فرقة 16” وتنهال علينا بسياط الحقد والغضب فيتعالى الصراخ من الألم ويختلط بالشتائم المتبادلة وتسيل دموع ودماء، ومع ذلك لم يكن الألم يثنينا عن احياء المناسبات الوطنية حتى تظل فلسطين حاضرة وحية في ضمير كل كبير وصغير. نلقي الخطب والقصائد الحماسية  لهارون هاشم رشيد وابراهيم طوقان وغيرهم من شعراء الارض المحتلة والمنفى أحياء وأموات.

كانت الهجرة الى برلين الغربية ممكنة في تلك الفترة. رحت اتعرف على الفلسطينيين هناك وسألت عن كمال الذي غادر الى برلين الغربية قبلي بسنين وسمعت انه حصل على جوائز كثيرة هناك .. حاولت البحث عنه لكني لم أتمكن من ملاقاته حيث مرضت

وادخلت المستشفى . بعدها قررت العودة الى بيتنا في المخيم وكان فارغا حيث رحل الاهل الى بلد عربي فلحقت بهم بناء على اصرارهم وسوء الاحوال الامنية والمعيشية وانقطاع الاتصال بكافة الوسائل نظرا لاشتداد القتال والتربص “بالآخر”.

وهناك في ذلك “الوطن العربي” وأي وطن عربي !! عشت مرارة اشد ايلاما من العصا “أيها الاجنبي أنا” ماذا تفعل هنا؟ كانت صدمة كبيرة أخلت بتوازني في تلك المرحلة المبكرة من عمري. هذا الذي كان ظهري وسندي في حلمي ويقظتي يقول لي ضمنا وعلنا “أجنبي أنت”. ما أقسى أن تصحو من حلم دافئ .. تدفأت بشعاراته الرنانة منذ ولادتك، الى واقع بارد وتكتشف ان مشاعرك أحادية كعاشق من طرف واحد. صممت العودة الى المخيم رغم رجاء الاهل وتوسلاتهم.

عدت الى المخيم ورحت أبحث عن رفاقي فعلمت أن ثلاثة منهم قد سافروا الى اسبانيا، تلك البلد التي سمحت باستقبال قلة من حاملي وثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين بدون تأشيرة. فساعدني رفاقي بارشادي  في كيفية الوصول الى مدريد وعشت فيها سنين طويلة عملا ودراسة وحصلت على جنسيتها وأحببت الشعب الاسباني الذي لمست فيه بساطة وعفوية خففت من حدة غربتي. تركت اسبانيا لعدم وجود فرص للعمل وغادرت الى لندن ثم امريكا ثم لندن وما زلت أتنقل وأطرب لكل ما هو عربي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*