الرئيسية / articles / رنين الهاتف

رنين الهاتف

جلس أصحاب السعادة يشربون قهوة الصباح في مكتب كبيرهم .. ملامح جادة تعبر عن عدم ارتياح نفوسهم .. ترى ما الذي يقلقهم !! ولماذا لم يشرب كل واحد منهم القهوة في مكتبه كعادته !! لماذا في شهر رمضان بالذات يشربون قهوة الصباح معا.. ويتحدثون همسا .. ويتطلعون بعيون مترقبة .. هل لديهم احساس بالذهب؟ وهل هذا الاحساس يخيفهم فيهربون من دواخل أنفسهم الى الخارج يحتمون ببعضهم البعض؟

الباب يفتح فجأة .. شابة سمراء تطل بوجهها الضحكوك.

صباح الخير ..

قالتها بصوت عذب ولهجة لا تخلو من المرح..

تلفتت الوجوه الواجمة نحوها نصف التفاتة ثم عادت الى وضعها. وحده رئيسها المباشر رد التحية باقتضاب.

انكمشت الشابة السمراء .. وتبدلت ملامح وجهها الى البهتان بعد أن كانت قبل لحظة تتدفق حيوية. جلست على كرسيها وتمتمت “يلعن أبوكم جميعا” .. وفي سرها قالت مستغربة “بعد غياب شهر كامل يستقبلونني بمثل هذا البرود وأنا المحببة لديهم”. حلاوة الاجازة طارت من نفسها هكذا في لحظة خاطفة.

تململت عن كرسيها ثم وقفت وكأنها في حالة تأمل .. أسرعت الخطى الى الخارج. هناك .. في الحمام فتحت حنفية الماء البارد وتركتها تتدفق فوق المغسلة بغزارة .. وضعت كفها تحت الحنفية فراح الماء ينساب من بين أصابعها فيحدث انتعاشا في بدنها.. راحت ترش وجهها بالماء البارد فيتناثر الماء على المرآة وعلى ملابسها، تبسمت للمرآة بعد أن غسلت نفسها مما لحقها من غبار وعاد اليها الشعور بالارتياح. ما أعذب الماء البارد .. يغسل الروح والجسد معا.

خطرت لها فكرة غريبة .. ماذا لو ينقلون الآلة الكاتبة الى هنا كي لا ترى وجوههم الكالحة .. بدت لها الفكرة مضحكة.

زميلة لها تدخل عليها وهي سارحة في خيالاتها .. بالاحضان تلتقيان .. يعلو الضحك وتتناثر عبارات الشوق والمحبة وأخبار البلد؟

آه كم هي جميلة مصر .. كل ما فيها جميل .. الاكل .. الملابس .. التنزه .. والناس .. يا سلام على الناس هناك “شكل تاني”.

أغمضت عينيها فأصبح وجهها البرئ أكثر صفاء وهمست :

“ليتني لم أعد الى هنا .. الله يسد نفوسهم”

عندما عادت الى مكتبها كان الزوار قد رحلوا الى مكاتبهم بعد أن شربوا قهوتهم. جلست على كرسيها وبدأت تصنف أوراقها .. لمحته بطرف عينها يقترب منها .. ها هو ضخم الجثة رئيسها يقترب منها .. يمد يده نحوها مصافحا..

حمدا لله على السلامة .. كيف كانت الاجازة وما أخبار الاهل عساهم بخير.

تمنت لو تصفعه على وجهه هذا المنافق الجبان .. هؤلاء الجبناء يخافون حتى من رد التحية لا لشيء الا لمرض في نفوسهم .. ولكنها تطلعت نحوه بابتسامة مفتعلة ومدت يدها مصافحة.

هذا السلام المتأخر لا طعم له ولا نكهة .. وهذا الرجل المتخلف يفاجئها دائما بتصرفاته الغريبة .. ذات مرة قال لها “اريد أن أعرفك على عائلتي .. زورينا في البيت” ومرة أخرى عرض عليها دعوة للعشاء معه وحده في الخارج. ولما رفضت دعوته شاكرة لم ينادها باسمها في اليوم التالي بل “يا عقد”. ومرة عندما كان يناولها حزمة من الاوراق سألها “هل رأيت فيلم السهرة في التليفزيون أمس”،  أجابت بلا. قال “كانت البطلة تشبهك .. ولكنك أحلى منها”. أمسكت بحزمة الورق فشدها نحوه وهمس “الى متى تظل المرأة العربية بلا رغبات” .. هزت كتفها بعدم اكتراث. وأكثر من ذلك شعرت بحيادية مطلقة .. لا تعليق .. فالأمر لا يعنيها .. هي لم تشعر يوما أنها تقع ضمن شريحة المرأة التي يتحدث عنها دائما.

عادت الى استئناف عملها فنقرت فوق الاحرف المعدنية نغما خاصا صنعته لنفسها.. نغما يحلق بروحها في فضاء فسيح لا حدود له.

جرس الهاتف على مكتبها يرن .. رفعت السماعة .. صوت خشن يخترق مسامعها:

الحمد لله على السلامة يا ست الكل.

همت أن تقول “الله لا يسلمك” .. ولكنها استدركت من يكون ذاك الذي يكلمها .. ها هو الكبير يصغر وينكمش. يسلم عليها مختبئا داخل أسلاك الهاتف.

منذ دقائق قليلة كان هناك والتفت نحوها نصف التفاتة وكأنه لم ير وجهها من قبل “لعنة الله على صلعتك البهية” داهمها شعور بالوحشة .. الناس هنا باهتون .. جامدون .. جبناء .. يخافون من السلام .. من التحية!!

في فترة الغداء جاءت زميلتها ذات الشعر المصبوغ باللون الاشقر الفاقع والذي لا يتناسب مع لون بشرتها ولا تقاطيع وجهها الشرقية .. دخلت مهللة مبتهجة، قالت بفرح:

بالأمس كنت مدعوة في حفلة عيد ميلاد رائعة .. سهرنا الى وقت متأخر ومع هذا لم أشعر بالتعب أو النعاس لأنني كنت سعيدة جدا. لقد فاتك الكثير ايتها الشقية.. رقص .. فرح ومرح .. تعرفين ؟؟ أحدهم اعتقد أنني سويدية .. ضحكت عليه من كل قلبي كدت أقول له “ولك اعمى ما شايف الصبغة”؟ ولكنني كنت فرحة بذلك .. لا أحب الشعر الاسود .. كم كنت اتضايق كلما حسبني احدهم ايرانية.

الويل لمن يحسبك ايرانية، سيغضب الايرانيون ويطالبون بقطع رأسه لارتكابه هذه الجريمة.

نعم .. ؟  وتهزئين بي !!

ابدا والله .. مجرد مزاح .. عموما ليس هناك ما يدعو للغضب يا عزيزتي .. كلنا بشر ولا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى لا بالشعر الاشقر.

اوه .. دعينا من هذه الفلسفة الآن .. ماذا ستلبسين لحفلة الليلة.

أية حفلة ؟

هل نسيت عيد الاستقلال !!

تطلعت الى زميلتها الشقراء برهة ثم انفجرت ضاحكة. وبعد أن اعتدلت في جلستها قالت بجدية:

سألبس فستانا أسود يليق بهذه المناسبة الكريمة.

جرس الهاتف يرن من جديد .. ليس لديها رغبة في محادثة أحد .. لا تريد سلاما ولا كلاما ولا أمنيات. تجاهلت الرنين وقالت لزميلتها هيا، ثم حملت حقيبة يدها وخرجت مسرعة الى الشارع.

نسمات باردة لفحت وجهها. فتحت رئتيها تستنشق الهواء بعمق وتتأمل بمحبة الباعة المنتشرون على الارصفة. أحست وكأنها ترى الفضاء بحلة جديدة.

الاغتراب الادبي/ لندن

تعليق واحد

  1. قصة جميلة و واقعية جداًً، الله على كتابتك يا فيروز، تصيفين كل شيء… تجعلين القاريء يتلهف ان يعرف ماذا سيحدث بعد!!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*