الرئيسية / articles / المدير والطبيب

المدير والطبيب

والمشكلة أن المدير يريد أن يكون طبيبا .. والطبيب يريد أن يكون مديرا.. والنشاط رعاية المرضى العرب القادمين للعلاج في لندن.

بدأت المشكلة – أو المسرحية المتكررة مع اختلاف الزمان والأشخاص – عندما تم تعيينه بالصدفة المحضة مديرا اثر قيام الوزارة باجراء تصفيات في الكادر الوظيفي في المكتب الصحي التابع لها في لندن.

شاء القدر أن يخلو ذلك المنصب أثناء تواجده في رحلة علاج الى لندن على نفقة الدولة كموظف حكومي. ولم يكن ليخطر بباله ولو للحظة واحدة أن يحصل على منصب لا يعطى الا للمواطنين. وهو لم يكن مواطنا، ولكنه كان يتمتع بصفات تؤهله للوصول الى مآربه .. أهمها الجرأة في اقتحام ما قد يكون مستحيلا لمن في مثل ظروفه .. اقامة العلاقات التي تقربه من اصحاب النفوذ . وهكذا .. حالفه الحظ بأن أصبح القائم بالأعمال وبالصدفة !!

كان لا يغمض له جفن في الايام الاولى من تنصيبه، توتره الشديد يشير وكأنه لا ينام .. يترقب بزوغ الفجر ترقب العاشق للقاء محبوبته. فيحمل الحقيبة بيد والهاتف النقال باليد الاخرى ويمشي مهرولا يجر ملابسه الواسعة التي ينبئ حفيفها بوصوله.

– صباح الخير .. صباح الخير.

ينثر التحية في كل اتجاه وبدون تركيز على أحد.. يبتسم ملء شدقيه، تكاد شفته العليا تلامس أنفه ذا الفتحة ونصف .. يسلم على هذا ويمزح مع ذاك مديرا رأسه في كل اتجاه .. يتابع التحيات دون أن ينتظر الجواب

السلام عليكم .. كيف حالك.. طيب ..بخير ان شاء الله .. الله يبارك فيك.

يجلس على ذلك الكرسي العريض يسند ظهره بارتياح ويبدأ دوامه الرسمي في تلك اللحظة . قبل ذلك بساعة أو أكثر حضر الى المكتب تفقد جهاز الفاكس وحمل معه جميع الرسائل الواردة بالفاكس، الخاصة منها والعامة، وعاد بها الى بيته يطلع عليها ويحتفظ بتلك التي ترد من شخصيات هامة أو أسماء كبيرة ويعطي الباقي الى السكرتيرة لكي تسلمها الى الطبيب.

يطلب السكرتيرة الى مكتبه فتقرأ له التقارير الطبية وتشرحها في حدود معرفتها التي اكتسبتها من خلال عملها كسكرتيرة طلبية في هذا المكتب فتتكون لديه فكرة موجزة عن حالة المريض. وبدلا من تحويل الموضوع برمته الى الطبيب يتولى هو الولوج في عالم الطب عن طريق خبرة السكرتيرة التي تقوم بحجز المواعيد ومتابعة احوال المرضى. فاذا كانت الحالة خطيرة وتستدعي “كونسلتو” يستدعي أحد المترجمين، من خريجي كليات الطب العربية الذين كانوا يعملون أطباء في بلدانهم ولكن لم يتسنى لهم العمل كأطباء في هذا البلد لأسباب معينة، يصطحبه في زياراته للمرضى ومتابعة أحوالهم في المستشفيات.

الزوار يتوافدون ويحتشدون في مكتبه يشربون الشاي ويتابعون معاملاتهم. جرس الهاتف يرن في مكتبه .. يرفع السماعة ويتكلم وكأنه يكمل حديثه مع الزوار.

– هه .. آه والله صحيح

يضحك بآلية .. حرف الهاء يندلق من فمه بسخاء.

– أيوه .. آه والله احنا حاضرين لأية خدمة .. الله يبارك فيك .. كيف صحة الوالدة بخير ان شاء الله. نعم ..؟؟ نعم..؟؟ ..؟؟ ماذا تريدون ؟؟ تريدون تغيير الطبيب؟ حاضر .. حاضر.. طلباتكم أوامر.. وسيارة وسائق؟ احنا حاضرين .. واذا ما وجدنا سائق أنا أعمل لكم سائق. أهلا وسهلا احنا بالخدمة.

انتبه لعدم وجود السكرتيرة على مكتبها وربما أراد الاستفسار منها عن شيء فسأل:

– أين ….

– لم تحضر بعد

قال بغضب: لم تحضر بعد !!  لقد مضى على بدء االدوام أكثر من ساعة .. أولم تتصل؟

بدا عليه الانزعاج والغضب .. وقف برهة يفكر .. يحب أن يعطي لنفسه أهمية ومن مظاهر الاهمية التظاهر بالغضب والانزعاج. وربما كان غاضبا لأنه يريد معلومة معينة والسكرتيرة هي الملمة بكل كبيرة وصغيرة فيما يتعلق بالعمل، بدونها يضيع في متاهات من التظاهر والتلاعب بالكلام. رفع سماعة التلفون واتصل في منزلها،  فقيل له أنها خرجت.

بعد حوالي الساعة وصلت .. القت بحقيبة يدها فوق مكتبها ودخلت الى مكتبه تضحك وتتغنج .. تغطي فمها الغليظ بكفها متظاهرة بالخجل .. مدت يدها وصافحته قائلة:

– آسفة .. آسفة جدا على التأخير .. والله ….

ضحكا معا ضحكة خبيثة. هكذا هو دائما، كلما تأخرت أو تغيبت أو أخطأت هاج وماج في ظهرها، فاذا حضرت أشرق وجهه وانتعش. لم يكن يعشقها أبدا .. كل ما في الأمر أنه يضيع بدونها،  هي تفهم العمل أكثر منه. هي الجسر الذي يعبره الى عالم الطب والمعاملات وبدونها ينفضح أمره. كذلك كانت تماثله في صفاته.. تقضي مصالحها ومصالحه .. متفقان ومتفاهمان.

أحد الزوار يسأل عن تقاريره الطبية، يريد أن يحصل عليها قبل سفره. أجابه المدير الذي يريد أن يكون طبيبا..

– نعم .. نعم .. التقارير موجودة .. احنا حاضرين .. حاضرين.

يقول هذا دون أن يدري ان كان هناك تقارير أم لا فالذي يعد التقارير هو الطبيب لا المدير وهما على خصام دائم.. التفت نحو سكرتيرته وهمس : هات التقارير

– انها في مكتب الطبيب وهو غير موجود الآن ومكتبه مقفول.

– مقفول !! لماذا؟ .. هذا مكتب الحكومة وليس ملكا له، لا يحق له اقفال المكتب. هيا احضري المفتاح الاضافي من الخزانة وافتحي الباب.

ثم رفع سماعة التليفون وأجاب على مكالمة .. يبدو انها من ابنه. اتفقا على موعد للقاء.. ثم أقفل مكتبه بالمفتاح وخرج مسرعا.

– لدي أعمال طارئة في الخارج .. لن أتأخر، نصف ساعة فقط وأعود.

وخرج مهرولا كعادته..

تبادل الموظفون والزوار النظرات وضحكوا بصوت عال.. مشهد يتكرر كل يوم.

قال أحد الزوار: لماذا يقفل المكتب بالمفتاح، من المفروض ان يتركه مفتوحا.. أليس هذا مكتب الحكومة أيضا؟

اليوم نهاية الاسبوع والزوار يحتشدون في الصالة، البعض ينتظر توقيع أوراقه وختمها والختم في الدرج والدرج مقفل، والبعض الآخر يريد أن يستلم شيك مخصصاته واللحاق بالبنك قبل أن يقفل أبوابه.

بدأ الناس يتأففون ويتذمرون من طول الانتظار وتعطيل أعمالهم وراح البعض يعلق والبعض الآخر يتوعد. اتصلت السكرتيرة به على النقال لكبح غضبهم وتهدئتهم. قال لها بأنه في طريقه الى المكتب وسيكون متواجدا في غضون عشر دقائق.

مر أكثر من نصف ساعة، عاودت الاتصال أكثر من مرة وفي كل مرة ذات الجواب وذات الكذبة. والزوار يشتاطون من الغضب ويهددون ويتوعدون حال عودتهم الى البلاد ليقتلعونه من منصبه ويلقون به على قارعة الطريق. وجوده هنا في هذا المكتب لخدمتهم وتسهيل امورهم لا أموره الشخصية.

مع نهاية الدوام وصل مهرولا كعادته وحفيف ملابسه الواسعة يسبقه. راح يعتذر لهم :

– آسف جدا على التأخير .. كنت في صلاة الجمعة .. والطريق مزدحم .. مزدحم جدا.

تلك كانت وباختصار شديد حكاية المدير . أما حكاية الطبيب فتأتي لاحقا.

الاغتراب الادبي – لندن – 1999

تعليق واحد

  1. Very nice and true! Unfortunately

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*