الرئيسية / articles / الجنرال

الجنرال

جلس وكيل وزارة السياحة في صالة الانتظار بمبنى منظمة السياحة العالمية في مدريد ينتظر مدام ليلى رئيسة القسم الخاص بالشرق الأوسط، كان بصحبته ابنته الصغيرة وفتاة تعرف عليها في مجال عمله ولمس فيها الجدية والعمل الدؤوب وكان أن ساعدته في طباعة كتابه، فوعدها في مساعدتها حيث كانت ترغب في الانضمام الى اشقائها في اسبانيا.

استغل فرصة قدومه مع عائلته الى مدريد لقضاء العطلة الصيفية هناك، مع أن صيف مدريد شديد الحرارة والرطوبة ولا يشجع مثل هذا الجو على المغامرة باجازة سنوية. ولكنها الرغبة في التغيير والنابعة احيانا من ايمان المرء بأن الّله اذا أحب عبدا أطلعه على ملكه. فضلا عن أن اسبانيا تعبق برائحة التاريخ العربي الاسلامي المجيد. ويبدو أن اللّه قد خص هذا الوكيل بقسط من محبته اذ ملأ قلبه بالعطف وحب الخير فاغتنم الفرصة خلال زيارته للتوسط لتوظيف هذه الفتاة في هذه المنظمة.

طوال مسافة الطريق، وأثناء الانتظار في الصالة، كانت الفتاة، واسمها ليلى أيضا ترسم صورة جميلة للست ليلى التي ستقابلها بعد دقائق. صورة تتناسب مع جمال اسمها الذي اذا ما ذكر تتوارد الى الذهن صور شاعرية وقصص من الرومانسية الخالدة، وتتوقع حوارا وديا معها. لا شك انها سترحب بها وتحتضنها خاصة اذا لمست مدى اجتهادها وحجم انتاجها واخلاصها في العمل وربما يكون من محاسن الصدف انها تحمل ذات الاسم.

هكذا وبينما الافكار تدور في رأسها اذا بامرأة متجهمة تطل من باب الصالة. كانت ترتدي فستانا فضفاضا وردي اللون تتدلى من تحته “شلحة” من الدانتيل. كان شكلها يوحي وكأنها قد فرغت للتو من حفلة تنظيف، وقد لا يكون لديها متسع من الوقت لتعديل شعرها أو مظهرها العام.

سلمت الست ليلى على الوكيل سلام رجال الاعمال دون الالتفات الى من معه وكأنه كان بمفرده. قدم لها بعد تبادل التحايا ابنته الصغيرة ثم الفتاة قائلا : هذه الشابة التي حدثتك عنها واسمها على اسمك اعتبريها اختك الصغيرة ستعجبك كثيرا.

أهلا ..

قالتها بلهجة آلية وما زالت عيونها باتجاه الوكيل تكمل حديثها معه وترحيبها به.

تفضل .. تفضل .. تفضلوا الى مكتبي.

استؤنفت المحادثات حول العمل والسياحة وتحدثت الست ليلى عن جهودها المكثفة من أجل تحسين هذا القسم والارتقاء به لاستقطاب المشاريع السياحية العالمية وجلبها الى بلد الممول الذي يجلس أمامها. ثم انتبهت الى أنه قدم لها فتاة برفقته وعليها أن تقبل الهدية والا لحقها العتب، عتب قد يؤثر على مركزها أو هكذا خيل لها.. كيف لا وهو بجرة قلم يستطيع أن يقلب حساباتها. فتوجهت بالحديث الى الشابة قائلة:

“شوفي” أنا لست بحاجة الى سكرتيرة في الوقت الحاضر ولكن “عشان أبو فيصل” سأحاول أن أجد لك فرصة. ثم وبلهجة تحذيرية اضافت:

أنا جدية، أحب عملي، ولا تعجبني البنت “المايعة”. كان عندي سكرتيرة تقضي معظم النهار في الحمام أمام المرآة تسرح شعرها وتطلي وجهها بالأصباغ . هذا الوضع الاعوج لا يناسبني، طبعا طردتها. أحب السكرتيرة التي تفهمني بالاشارة قبل أن أفتح فمي. فهمت!!

ثم التفتت الى الجهة الاخرى التفاتة دون معنى، وربما كانت تريد ان تستشف ردة الفعل لمحاضرتها، ثم عادت وأكملت حديثها: على كل حال من حسن حظك ان سكرتيرتي في اجازة مدة اسبوع ولا مانع لدي أن تعملي مكانها خلال هذا الاسبوع كتجربة.

وهكذا في صباح اليوم التالي بدأت ليلى العمل والذي كان عبارة عن طباعة تقارير ومشاريع ومقترحات باللغة الانجليزية. ثماني ساعات متواصلة في النقر على الآلة الكاتبة دون توقف الا نصف ساعة للغداء.

الست ليلى تدخل مكتب السكرتارية، تتفقد الوضع من وقت لآخر دون أن تتفوه بكلمة. سبحان الله، في كل مرة تبدو وكأنها قادمة لعمل شيء لكنها تنظر باتجاه واحد ثم تعود الى مكانها. كانت امرأة متوترة .. متشنجة .. تبحث عن غلطة، عن مشكلة، عن مصيبة تمارس خلالها حبها للقمع والتسلط ولكنها كانت تعود خائبة.

كل يوم كان أثقل من اليوم الذي سبقه، وليلى لا تريد ان تخسر الفرصة حتى لا تلام. تتطلع الى وقت الغداء بشوق كبير لا رغبة في الأكل ولكن لكي تخرج الى نسائم الحرية التي تهب في الخارج بعيدا عن هذا المكان الخانق. ورغم اصرارها على استكمال الاسبوع الا أن أعراض الشقيقة تدخلت لتعجل في اتخاذ القرار. لتذكرها أن القهر ليس فرصة وبأن حياتها أغلى وأثمن من أن تدفن نفسها في زاوية ضيقة أو أن تصبح مادة للاسقاطات.

قامت الى الحمام وفتحت حنفية الماء وراحت تملأ كفيها بالماء البارد وترشق وجهها وتمسد صدغيها ثم تمسح رقبتها وخلف اذنيها لتخفيف آلام الشقيقة والتي تشتد مع اشتداد الحرارة والرطوبة عملا بنصيحة أحد الأطباء والذي نصحها باستعمال كمادات من الثلج فوق جبينها عند هجوم الشقيقة أو الصداع النصفي. وبينما هي منحنية فوق المغسلة مستغرقة بهذا الحمام البارد وقد بلل الماء ملابسها غير آبهة رفعت رأسها ببطء ومدت يدها لتلتقط منديلا تجفف به وجهها جمدت يدها في منتصف الطريق عندما التقت عيناها بذلك الوجه العابس المتجهم في المرآة. عند ذلك تذكرت مطاردة الست ليلى لسكرتيرتها السابقة الى الحمام حيث كانت حسب ادعائها تقضي الوقت في طلي وجهها بالاصباغ والتفنن في تسريحة شعرها.

تبادلتا النظر في المرآة دون أن تتكلم أي منهما. انسحبت الست ليلى خائبة وعادت ليلى الصغيرة الى المكتب ، حملت حقيتها وخرجت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*