الرئيسية / articles / ازدواجية

ازدواجية

يتبين بوضوح لكل من يقيم في الغرب ان الصراحة والصدق معالم بارزة في شخصية الانسان الغربي سواء كان مسؤولا كبيرا أو ما يسمى برجل الشارع. وقد شاهدنا على شاشة التلفاز العديد من القصص الواقعية حيث يتكلم اصحابها عن أنفسهم – عالمكشوف – من دون أدنى حرج تجاه أي قضية تتعلق بحياتهم أو خلفياتهم العائلية خاصة والاجتماعية عامة. وهذا الموقف من ذواتنا بعيد عن أخلاقياتنا حيث يعمد الانسان العربي الى تجميل نفسه وأهله وماضيه. وقد أسهمت الحروب والهجرة في زيادة الكذب على الذات وعلى الآخرين.

ومع هذا فلا بد لمن يعيش في الغرب أن يتأثر بالعقلية الغربية حسب قناعاته ومفاهيمه، وفي غالب الأمر اذا ارتأى في ذلك مصلحة شخصية له مادية كانت أو معنوية.

وفي حوار اذاعي مع أحد الناشرين العرب ممن حققوا من الشهرة والثراء قسطا كبيرا. تحدث الضيف مستعرضا نشأته المتواضعة في القرية بأسلوب يقطر حبا وحنينا نحو هذه الخلفية التي يعتز بها ويعتبرها أحلى سنين عمره ولذلك فهو يتعاطف مع كل شخص مجتهد ويمد يد العون لمن يحتاج الى دعمه اذا اقتنع بمشروعه. وشعر كثير ممن استمعوا الى الحوار وكأنه يتحدث بلسانهم. فقد أثار شجونهم وحنينهم نحو ماض لن يعود فأثنوا عليه وحيوا أصله الطيب.

وفي الايام التي تلت الحوار تجرأ نفر من المثقفين والفنانين (لا المتسولين) على طرق باب مكتبه فاتحين الايدي والصدور رغبة منهم في فتح قنوات من التعاون فيما بينهم وبينه. فكان الجواب على لسان سكرتيرته “بأن السيد في اجتماع مغلق قد يطول أجله” وأدرك هذا النفر بحسه وخبرته بأن هذا الباب موصد في وجوههم.

من خلال المشاهدة والاطلاع على مقابلات أجريت مع شخصيات عربية مماثلة يلاحظ المتلقي أن بعض المثقفين وغيرهم من أصحاب النفوذ يتعمدون التفاخر والتباهي بأصولهم الفقيرة في حين أنهم – عمليا – يديرون ظهورهم لهذه الخلفية من خلال رفضهم التعاون مع أبناء جلدتهم من الفئات الطموحة الواعدة التي لو أخذ بيدها سوف تحسب في ميزان انجازاتهم، فضلا عن الاسهام في اثراء الحركة الثقافية والفنية على الصعيد الوطني والانساني.

اذا كان الانسان يحن الى ماضيه الى هذه الدرجة فلماذا اذن يرفض من يشاركونه هذا الماضي؟

يقول علم النفس ان بعض الناس يرون أنفسهم في شخوص الآخرين مما يعيد اليهم الشعور بالألم والمعاناة ويجسد أمامهم صورا لم تبق منها سوى ذكرى عابرة تستخدم للاستهلاك الاعلامي. ولذلك تجدهم يهربون من أنفسهم ويوطدون العلاقات مع فئات لامعة تجلب لهم الشعور بالارتياح والاطمئنان ليضمنوا لأنفسهم الاستمرار في التسلق الى أعلى السلم. ويبقى الماضي وسيلة لتلميع صورهم واكسابهم الاحترام، اضافة الى مزيد من الشهرة والشعبية خاصة هنا في بلاد الغرب حيث كما أسلفنا الصدق والصراحة ومطابقة الاقوال بالافعال أركان أساسية في بناء الشخصية والثقافة الغربية ولذلك ينهل بعض مثقفينا من هذا المنهل ما يخدم أسماءهم ومصالحهم.

حبذا لو نتعلم من الغرب الالتزام بما نتفوه به من وعود وأقوال.

مجلة المشاهد – العدد 39 – ديسمبر 1995

تعليق واحد

  1. اقرأ ما تكتبين يا عزيزيتي فيروز وافكر متى اخبرتك تلك القصة … اه واتطلع للمكتوب امامي لادرك انها قصة ولكنها يا صديقتي هي عمق شفافيتك للواقع الذي تعيشه ايه فتاة عربية تعمل في مؤسسة عربية يديرها رجالنا العرب من بنى نفط .
    كتابتك تتمتع بشفافيه عالية يشوها تمرد على هذا النفاق والفوقية التي ( يتمتعون بها) عاش قلمك وسأقرأ المزيد من كتاباتك الرائعة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*